عاجل:

N12: الهدوء في الشمال يتطلب وجوداً إسرائيلياً دائماً داخل جنوب لبنان

  • ٥٩

بقلم: إيرز وينر وغابي سيبوني

مع قيام إسرائيل سنة 1948 اعتُبر لبنان الجار الأكثر هدوءاً واستقراراً بين الدول العربية؛ فقد كانت الحدود الدولية هادئة نسبياً، وأُديرت الدولة كجمهورية متعددة الطوائف، حيث سيطر المسيحيون الموارنة في ظل دستور منحهم الأفضلية السياسية، وازدهر اقتصاد لبنان كمركز تجاري ومالي في الشرق الأوسط، وأُطلق على عاصمته بيروت لقب "باريس الشرق".

لكن ابتداءً من ستينيات القرن الماضي بدأت تتشكل خطورة جديدة ومقلقة؛ موجات اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى البلد بعد حرب 1948، وخصوصاً بعد أحداث "أيلول الأسود"، حين قام الملك حسين بطرد التنظيمات الفلسطينية من الأردن، وكانت هذه الموجة هي التي حوّلت جنوب لبنان إلى "دولة داخل دولة"، وأدت إلى تمركز منظمة التحرير الفلسطينية هناك، وهو ما زاد التوتر مع الحكومة اللبنانية، وساهم في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان.

في تلك الفترة تبلور إدراك بأن لبنان ليس دولة ذات سيادة بالمعنى الغربي، إنما هو ساحة تدير فيها قوى خارجية – كسورية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وغيرهما – صراعاً على حساب إسرائيل ولبنان.

وقد أدى عجز الحكومة اللبنانية عن السيطرة على أراضيها إلى تحويل جنوب لبنان إلى قاعدة معادية دائمة.

وكانت عملية الليطاني (آذار 1978) أول عملية عسكرية كبيرة في لبنان، وكان الهدف واضحاً: إبعاد قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى ما وراء نهر الليطاني، وإنشاء منطقة عازلة أمنية تستند إلى هذا الحد الطبيعي لمنع التسللات إلى داخل إسرائيل.

وقد سيطر الجيش الإسرائيلي بسرعة على مناطق واسعة، وتمركز على ضفاف الليطاني، لكن العملية اعتُبرت نجاحاً تكتيكياً فقط؛ إذ عادت منظمة التحرير سريعاً إلى جنوب لبنان، وكان الدرس واضحاً منذ ذلك الحين: دون وجود إسرائيلي دائم لن يسود الهدوء في شمال البلد.

وعقب إطلاق متواصل لصواريخ الكاتيوشا نحو شمال إسرائيل، ومحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، شنّ الجيش الإسرائيلي عملية "سلامة الجليل" سنة 1982، وسيطر على جنوب لبنان بالكامل، وتقدم حتى بيروت، وطرد منظمة التحرير من لبنان، ووقّعت إسرائيل اتفاقاً كان من المفترَض أن يؤدي إلى سلام كامل بين الدولتين، إلاّ إن اغتيال بشير الجميل أعاد إشعال الحرب الأهلية، وأفشل الاتفاق.

وفي سنة 1985 انسحب الجيش الإسرائيلي جزئياً من لبنان، وأقام "الحزام الأمني"، بالاعتماد على جيش لبنان الجنوبي.

في تلك الفترة، ظهر "حزب الله" كميليشيا شيعية صغيرة برعاية وتمويل مباشرَين من إيران.

وفي السنة نفسها نشر التنظيم بيانه الرسمي الذي أعلن فيه أهدافه: تدمير إسرائيل، وطرد القوات الغربية من لبنان، وإقامة دولة إسلامية شيعية في لبنان على غرار إيران.

وفي الأعوام التي تلت ذلك عمل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان لضرب التنظيمات المسلحة، وخصوصاً "حزب الله"، الذي ازداد قوة، بهدف منع تهديد سكان الشمال.

ومع مرور الوقت تمركز الجيش في مواقع ثابتة، بينما تصاعد الجدل داخل إسرائيل بشأن الخسائر البشرية وضرورة الاستمرار في "الحزام الأمني".

وفي أيار 2000، وبقرار من حكومة إيهود باراك، انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان بصورة أحادية الجانب ودون اتفاق، وترافق ذلك مع ترك آلاف المقاتلين من جيش لبنان الجنوبي لمصيرهم، ففرّ كثير منهم إلى إسرائيل، أو تُركوا تحت رحمة "حزب الله".

واختارت إسرائيل الانسحاب إلى الحدود الدولية بدقة شديدة بهدف الحصول على اعتراف الأمم المتحدة، حتى وإن كان ذلك على حساب التخلي عن مواقع طوبوغرافية مهمة، وجعل خط الحدود ملاصقاً للتجمعات السكنية.

وأدى عدم الرد الإسرائيلي على حادثة اختطاف ثلاثة جنود في مزارع شبعا في تشرين الأول 2000، إلى جانب خطاب "بيت العنكبوت" الذي ألقاه حسن نصر الله في بنت جبيل (26 أيار2000)، إلى تصوير إسرائيل دولة ضعيفة وخائفة وهشة.

واستغل "حزب الله" هذا الفراغ، فبنى بنية تحتية عسكرية ضخمة بتمويل إيراني، وتحول إلى القوة المهيمنة في لبنان.

ثم اندلعت حرب لبنان الثانية (تموز - آب 2006) عقب مقتل واختطاف جنود احتياط إسرائيليين على يد "حزب الله" قرب زرعيت، واتسم أداء الجيش الإسرائيلي خلال الحرب بالتردد وعدم التنظيم، وخصوصاً في تشغيل القوات البرية.

وشكّل استهداف الضاحية الجنوبية في بيروت، التي تُعد معقلاً لـ "حزب الله"، ضغطاً على التنظيم، وساهم في بلورة قرار الأمم المتحدة رقم 1701، الذي كان من المفترَض أن يمنع "حزب الله" من العمل في جنوب لبنان تحت إشراف قوة دولية معززة (اليونيفيل).

لكن في الواقع لم يتحقق ذلك، إنما نشأ فعلياً نوع من الردع المتبادل؛ إذ امتنعت إسرائيل عن ضرب "حزب الله" مباشرة طالما لم "يكسر القواعد"، بينما واصل الحزب تعزيز قوته، مع حرصه على تنفيذ عملياته ضد إسرائيل عبر وسطاء يتيحون له هامش إنكار.

وشارك "حزب الله" بصورة فاعلة في الحرب الأهلية في سورية (منذ سنة 2011)، وتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة، كما أنشأ شبكة أنفاق عابرة من لبنان إلى داخل إسرائيل، وكُشف بعضُها خلال عملية "درع الشمال" (2018 - 2019)، وكانت هذه أنفاقاً هجومية تهدف إلى التسلل واحتلال مناطق داخل إسرائيل، على غرار ما حدث في قطاع غزة.

وكان هذا هو الوضع عشية هجوم "حماس" المفاجئ في 7 تشرين الأول 2023. وعَقِبَ الهجوم، وعلى الأرجح بتوجيه من راعيته إيران، دخل "حزب الله" مواجهة محدودة في 8 تشرين الأول بهدف الحفاظ على قوته تحسباً لاحتمال قيام إسرائيل بضرب المنشآت النووية الإيرانية.

وبعد أشهر طويلة من الاحتواء، ومع تصاعد هجمات "حزب الله" على الأراضي الإسرائيلية وإجلاء سكان الشمال، انتقلت إسرائيل إلى الهجوم؛ فكانت المرحلة الأولى عملية تفجير أجهزة النداء (البيجر)، وتلاها اغتيال حسن نصر الله في أيلول 2024، إلى جانب تصفية القيادة العليا للحزب، بالتوازي مع عملية برية محدودة قرب الحدود هدفت إلى تدمير البنية التحتية التي أعدها الحزب للتوغل داخل إسرائيل، والسيطرة على مواقع استراتيجية، وتطهير المنطقة من مقاتليه.

ثم أوقف اتفاق وقف إطلاق النار في نهاية سنة 2024، والذي تحقق تحت ضغط إدارة جو بايدن، الزخم الإسرائيلي، وضعف "حزب الله" بصورة كبيرة، وتلقى ضربات قاسية، لكنه لم يُهزم بالكامل، فضلاً عن أنه لم يُدمَّر.

وبقي الجيش الإسرائيلي في خمسة مواقع متقدمة قرب الحدود، وواصل عمليات تهدف إلى منع إعادة بناء قدرات الحزب وعودة المقاتلين إلى القرى الحدودية، بينما استمر "حزب الله" في محاولة التعافي وإعادة التسلح على الرغم من ضعفه.

وجرى دخول "حزب الله" القتال ضمن عملية "زئير الأسد" (آذار 2026) بطريقة حذرة ومحسوبة ومدروسة.

واختار التنظيم، الذي كان قد تلقّى ضربات قاسية خلال الحرب، ألاّ يزجّ بكل قواته في المعركة دفعة واحدة، بل دخل بالتدريج، محاولاً الحفاظ على قدراته الاستراتيجية، وخصوصاً الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والقيادات العليا التي بقيت.

هذا الدخول، حتى وإن كان متحفظاً، شكّل نقطة تحوّل؛ إذ منح إسرائيل شرعية سياسية ودولية للعمل بقوة كاملة، دون قيود اتفاق وقف إطلاق النار في نهاية 2024.

وجاء رد الجيش الإسرائيلي فورياً وقوياً ومركزاً. وبعكس المراحل السابقة التي قيّدتها اعتبارات سياسية، فإن هذه المواجهة تُدار وفق مفهوم أمني محدّث نشأ بعد أحداث 7 تشرين الأول؛ "السلام عن طريق القوة".

هذه الفرصة ليست تكتيكية فقط، بل أيضاً استراتيجية في جوهرها؛ فقد دخل "حزب الله" المعركة وهو ضعيف، بينما يمرّ داعمه إيران بأزمة وجودية، وهذا التلاقي بين ضعف محلي وإقليمي يُعَد فرصة نادرة ينبغي استغلالها بالكامل.

من المرجَّح أن إسرائيل قبل 7 تشرين الأول كانت ستكتفي بردّ محدود على إطلاق ثلاثة صواريخ لم تُحدث ضرراً، أمّا بعد هذا التاريخ، فقد تبنّت مبدأ المبادرة والإنفاذ؛ استهداف القدرات بدلاً من تحليل النيات، والسعي للحسم وتحقيق النصر.

تفكيك "حزب الله" يمر عبر الاقتصاد الإيراني

للحملة الحالية في لبنان هدف استراتيجي بعيد المدى، وهدفان عمليان؛ الهدف البعيد هو القضاء على "حزب الله" كتنظيم عسكري وإزالة التهديد عن إسرائيل، والطريق الأساسي لتحقيق ذلك يمر عبر إيران.

وهناك مساران رئيسان لإضعاف النظام الإيراني:

1- تغيير النظام من الداخل عبر الشعب الإيراني، بما يؤدي إلى وقف دعم "حزب الله" ووكلاء آخرين (وهو هدف صعب التحقيق).

2-إضعاف النظام عبر ضرب قدراته العسكرية والاقتصادية، وهو ما سيجبره على الانشغال بإعادة البناء ويقلل قدرته على دعم الحزب.

وفي حال ضعف النظام والاقتصاد بما يكفي، فقد يفتح ذلك المجال لاحقاً أمام تحركات داخلية.

وفي كل الأحوال فإن ضرب الاقتصاد الإيراني يُعَد عنصراً أساسياً لتقييد قدرة النظام على إعادة بناء "حزب الله".

الأهداف العملياتية في لبنان

بالتوازي مع العمل ضد إيران، هناك هدفان عمليان داخل لبنان: الأول هو إنشاء منطقة عازلة أمنية تشمل المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني، مع توسيعها شرقاً لتشمل مناطق إضافية كمرتفعات علي الطاهر وقلعة الشقيف.

ولتحقيق ذلك، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بإجلاء السكان من المنطقة باعتبارها ساحة قتال، ويجب استكمال هذا الإجلاء بصورة منهجية عبر مزيج من الضغط العسكري والتحذيرات الإنسانية الدقيقة. وتشير التجربة في غزة إلى إمكانية إنشاء منطقة "نظيفة" من التهديدات.

في هذه المنطقة، لن يُسمح بعودة السكان طالما لا يزال "حزب الله" فاعلاً، وستتحول إلى منطقة "معقمة" أمنياً، وخالية من البنية التحتية المعادية.

وداخل هذا الحيز، سينشر الجيش الإسرائيلي مواقع عسكرية، وأنظمة تكنولوجية، وحواجز، إلى جانب عمليات تمشيط مستمرة، بهدف منع التسلل، وإزالة تهديد الصواريخ والأسلحة المضادة للدروع.

أمّا الهدف الثاني، فهو توسيع نطاق الضربات في عمق لبنان، بالتوازي مع إنشاء المنطقة العازلة، ويجب تنفيذ حملة عسكرية واسعة وممتدة تشمل كامل الأراضي اللبنانية، من بيروت إلى البقاع، وشمالاً حتى الحدود السورية.

والهدف ليس الاحتواء، إنما التدمير شبه الكامل لقدرات "حزب الله".

وتشمل الأهداف: مخزون الصواريخ الدقيقة، والإنتاج والتجميع، ومخازن الأسلحة، ومراكز القيادة، والبنية التحتية الاقتصادية الداعمة، وشبكات اللوجستيات، ومنظومات الطائرات المسيّرة، ووسائل الاتصالات، والأنفاق الاستراتيجية. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يجب مواصلة عمليات الاغتيال الدقيقة ضد القيادات التي لا تزال على قيد الحياة. وستُنفَذ هذه العمليات عبر دمج سلاح الجو بالمدفعية، والقوات الخاصة، والحرب الإلكترونية، والعمليات السيبرانية، وبوتيرة عملياتية عالية.

نقل نموذج "الخط الأصفر" من غزة إلى الشمال

إن الهدفَين المذكورَين أعلاه ضروريان، لكنهما غير كافيَين بمفردهما.

فقط الجمع بين ثلاثة مستويات – إنشاء منطقة عازلة أمنية واسعة في لبنان، وتدمير قدرات التنظيم في جميع أنحاء البلد، وإلحاق ضرر شديد بإيران – يمكن أن يؤدي إلى النتيجة الاستراتيجية المطلوبة: القضاء على حزب الله كتنظيم عسكري، وإزالة التهديد من الجبهة الشمالية لإسرائيل على المدى الطويل، وإعادة الأمن إلى سكان الشمال.

إن إجلاء السكان من جنوب لبنان ومنطقة الضاحية في بيروت لأسباب أمنية أدى إلى نزوح نحو مليون مواطن شيعي من منازلهم. بعضهم، وخصوصاً سكان القرى الجنوبية، لم تعد لديهم منازل يعودون إليها، كما أن التنظيم يفتقر إلى الموارد لتعويضهم عن خسائرهم.

وقد أدى ذلك إلى تزايد التوتر، إذ يُظهر بعض السكان في لبنان مواقف عدائية تجاه النازحين الشيعة، ويرفضون أحياناً استضافتهم أو تأجيرهم منازل.

يمكن لإسرائيل – بل يجب عليها – استغلال هذه المعارضة كرافعة استراتيجية، عبر إضعاف "حزب الله" إلى درجة تشعر فيها الحكومة اللبنانية بأنها قادرة على اتخاذ خطوات حاسمة.

وعلى الرغم من أن احتمال حدوث ذلك منخفض، فمن المهم محاولة تحقيقه.

ينبغي المطالبة بنزع سلاح "حزب الله" بالكامل، وإزالة جميع بنيته التحتية العسكرية من جنوب لبنان، ونقل السيطرة الكاملة على المنطقة إلى القوات السيادية للدولة. بالتوازي، يجب توجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى الأطراف السياسية اللبنانية المعارضة لـ "حزب الله"، فحواها أن إسرائيل لن تتدخل في الشؤون الداخلية للبنان، لكنها ستواصل العمل بقوة حتى إزالة التهديد من الشمال.

إن الاستفادة الذكية من هذا التوتر الداخلي، إلى جانب الضغط العسكري القوي والضغط الناتج من السكان النازحين، قد يحوّل "حزب الله" إلى جهة ترغب أغلبية اللبنانيين في التخلص منها، وهو ما يسهل إلى حد كبير عملية نزع سلاحه.

المنشورات ذات الصلة