في بلدٍ تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية مع الانهيار الإداري، لم يعد الإنترنت مُجرّد خدمة اتصالات، بل تحوّل إلى خطّ حياة يومي. ومع ذلك، يعيش اللبناني مفارقة واضحة: كلفة مرتفعة لا تتناسب مع جودة متدنية، وبنية تحتية مُرهقة لا تواكب الحد الأدنى من مُتطلّبات العصر الرقمي.
وفي موازاة هذا الواقع، تتوسّع دائرة النقاش حول “الاستهدافات الرقمية” وما يُتداول عن دور التكنولوجيا في سياق الحرب، بين ما هو تقني فعلي وما هو تضخيم إعلامي يتغذّى على السوشيال ميديا.
كلفة مُرتفعة وخدمة لا تعكس الواقع
يؤكّد الخبير في الأمن السيبراني والتحوّل الرقمي رولان أبي نجم لـ "إيست نيوز" "أن كلفة الإنترنت في لبنان “مرتفعة مقارنة بجودة الخدمة”، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست في السعر فقط بل في بنية تقنية متراكمة الأزمات".
ويشرح "أن تراجع الجودة يعود إلى:
- بنية تحتية قديمة وغير محدثة
- ضغط كبير على الشبكات في المدن والمناطق السكنية
- تفاوت في إدارة وتوزيع الشبكات بين المناطق"
ويضيف أبي نجم "أن جزءًا كبيراً من الشبكات “يعمل فوق طاقته الاستيعابية”، ما يؤدي إلى انقطاعات مُتكررة وبطء في الخدمة، خصوصًا في العاصمة والمناطق المُكتظّة".
الفوضى الرقمية: حين تتحوّل المصطلحات إلى روايات
يرى أبي نجم "أن أخطر ما يُرافق المشهد الرقمي اليوم ليس فقط ضعف الخدمة، بل انتشار معلومات غير دقيقة تُقدَّم كحقائق تقنية".
ويقول "إن كثيراً من الروايات المتداولة حول “استهدافات رقمية” أو “تجسّس عبر تطبيقات اتصال” يتم تضخيمها على وسائل التواصل، وغالباً ما تُبنى على سوء فهم لمفاهيم تقنية أساسية".
ويشرح "أن ما يُعرف بـ عنوان بروتوكول الإنترنت (IP address) لا يتيح تحديد موقع دقيق أو تنفيذ عمليات استهداف كما يُشاع، بل هو مجرد معرّف رقمي قد يكون مشتركًا بين مستخدمين كثر عبر مزوّدي الخدمة، ولا يمكن الاعتماد عليه وحده في أي استنتاج أمني".
ويشدّد على "أن الخطر الحقيقي اليوم “ليس في التكنولوجيا، بل في طريقة تداول المعلومات عنها”.
بين Zoom والجدل العام: أين ينتهي الواقع؟
في سياق متصل، يلفت أبي نجم إلى "أن ربط تطبيقات مثل Zoom بعمليات استهداف مباشر هو خلط بين الاستخدام التقني والتحليل الأمني".
ويؤكّد "أن هذه التطبيقات تعمل ضمن بنية الإنترنت العامّة، وتعتمد على مزوّدي خدمة وشبكات وسيطة، ما يجعلها غير قادرة بذاتها على تنفيذ عمليات ميدانية أو تحديد أهداف كما يتمّ تداوله".
ويضيف "أن ما يحصل هو تضخيم رقمي لمصطلحات تقنية تُستخدم خارج سياقها العلمي".
Starlink كخيار بديل: لا كحل نهائي
في ظلّ تراجع جودة الإنترنت الأرضي، يتوسع النقاش حول الحلول البديلة مثل خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية Starlink.
ويُشير أبي نجم إلى "أن هذه التقنية “قد تشكل حلاً مرحلياً أو مكملاً في بعض الحالات”، لكنها ليست بديلاً كاملاً عن شبكة وطنية أرضية حديثة".
ويؤكّد "أن أي حل تقني مُنفرد لا يمكن أن ينجح من دون رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء قطاع الاتصالات وتحديث بنيته التحتية".
ما بين الواقع الرقمي والتحديات البنيوية
يخلص المشهد، بحسب قراءة الخبير أبي نجم، إلى "أن لبنان يواجه تحديًا مزدوجًا: ضغطًا مُتزايداً على شبكة مُتعبة من جهة، وتضخمًا في المعلومات الرقمية غير الدقيقة من جهة أخرى، ما يخلق حالة من التشويش بين الواقع التقني والانطباع العام".
ومن وجهة نظرنا، فإن الأزمة لم تعد تقنية فقط، بل باتت مُرتبطة بغياب إدارة رقمية حديثة تعتبر الإنترنت جزءاً من البنية التحتية الأساسية للدولة، لا مُجرّد خدمة استهلاكية.
وبين الكلفة المُرتفعة، وضعف الجودة، وتزايد الجدل الرقمي، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة لبنان على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة رقمية مُستقرّة وموثوقة.
×