أشارت صحيفة "الرياض" السعودية إلى أنه "قبل الهدنة، لم تنظر السعودية إلى الهجوم الإيراني باعتباره تطورًا محدودًا يمكن احتواؤه بخطاب التهدئة وحده، بل قرأته في سياقه الأشمل: تهديد مباشر لسيادة دول الخليج، واعتداء على أمن المنشآت الحيوية، ومساس خطير بالممرات البحرية التي لا تخص المنطقة وحدها، بل تمس الاقتصاد العالمي برمّته".
واعتبرت أنه "هنا كان الفارق السعودي واضحًا؛ إذ لم تنجر الرياض إلى انفعال سياسي يرفع حرارة المشهد ويمنح الخصم فرصة توسيع دائرة الاشتباك، وفي المقابل لم تُخفّف من طبيعة التهديد أو تتعامل معه كأنه مجرد رسالة عابرة قابلة للتجاهل".
ورأت أنه "بعد الهدنة، فإن القراءة السعودية تبدو أكثر عمقًا وواقعية. فالمملكة لا تتعامل مع الهدنة بوصفها نهاية للأزمة، ولا باعتبارها شهادة حسن سلوك مجانية، بل تراها فرصة لاختبار النيات، وإعادة بناء قواعد اشتباك أكثر صرامة، تحول دون تكرار الاعتداءات تحت أي غطاء"، مشيرة إلى أن "الهدنة، في الرؤية السعودية، ليست مكافأة للمعتدي، وإنما أداة سياسية لتثبيت الاستقرار ومنع استنزاف الإقليم وإغلاق الباب أمام إعادة إنتاج الفوضى".
وأضافت: "من هنا، تبدو السياسة السعودية منسجمة مع خطها الأوسع الذي رسخته خلال السنوات الأخيرة: الحوار والدبلوماسية هما الأصل، لكن ليس على حساب السيادة، ولا على حساب أمن الدول، ولا تحت مظلة تدخلات تُقوّض مفهوم حسن الجوار، لذلك فإن الرياض تدفع باتجاه خفض التصعيد، لكنها في الوقت نفسه تُصر على أن تكون أي تهدئة مقرونة بالتزامات عملية واضحة، قابلة للقياس والتحقق، لا مجرد استراحة تكتيكية تسبق انفجارًا جديدًا".
وأوضحت أن "المملكة تراهن على معادلة متكاملة، أول عناصرها تثبيت الهدنة وتحويلها من توقف هش لإطلاق النار إلى مسار سياسي وأمني يمنع عودة التهديد بصيغته السابقة، وثاني عناصرها تثبيت حقيقة أن أمن الخليج لم يعد شأنًا محليًا محصورًا بجغرافيته، بل ملف دولي يرتبط بحرية الملاحة والتجارة العالمية واستقرار الطاقة، وثالث عناصرها الحفاظ على تماسك الموقف الخليجي، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولة لعزل دولة خليجية عن عمقها أو تفكيك الموقف الجماعي، أما العنصر الرابع، فهو توظيف الرصيد السعودي الدولي بوصف المملكة دولة مسؤولة لا تدعو إلى الحرب، لكنها أيضًا لا تسمح أن يُفهم اتزانها على أنه عجز، أو أن يُقرأ تعقلها بوصفه قابلية للابتزاز".
ولفتت إلى أن "الرهان السعودي الأعمق يظل رهانا على فكرة مركزية: أن الاستقرار الحقيقي لا تصنعه القوة الصلبة وحدها، بل تصنعه أيضًا المصداقية السياسية وهيبة الدولة ووضوح الخطوط الحمراء. فالمملكة تدرك أن الخليج لا يمكن أن يبقى منطقة موثوقة للاستثمار والطاقة والتجارة إذا تُرك رهينة إيقاع التهديدات العابرة للحدود. ولذلك فهي لا تبحث عن هدنة شكلية تُؤجل الانفجار، بل عن معادلة جديدة تقول بوضوح إن أمن الخليج غير قابل للمساومة، وإن حماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية واستقرار الطاقة مصلحة عالمية قبل أن تكون مصلحة إقليمية".
واعتبرت أنه "لهذا كلّه، يمكن فهم الحراك السعودي الراهن على حقيقته: ليس اندفاعًا نحو مواجهة مفتوحة، وليس قبولًا بهدنة رخوة، بل بناء هادئ ومتدرج لقواعد ردع أكثر صلابة، تُسندها دبلوماسية نشطة، ورؤية سياسية بعيدة النظر، وثقة دولة تعرف وزنها جيدًا"، لافتة إلى أن "الرسالة السعودية الأوضح اليوم: السلام خيار استراتيجي، نعم، لكنه لا يقوم إلا على احترام السيادة، وكفّ العبث، وإدراك أن استقرار المنطقة ليس منحة لأحد، بل استحقاق يجب أن يُحمى".