عاجل:

التفاوض مع إسرائيل: بين الحقيقة الدستورية والتأويل السياسي..

  • ٥٢
في كل مرّة يُطرح فيها ملفّ التفاوض مع إسرائيل، يعود الجدل في لبنان إلى نقطة واحدة تتكرر بصيغ مختلفة: هل يمنع الدستور هذا المسار، أم أن النقاش يدور في مكان آخر أبعد من النصوص القانونية نفسها؟

الجدل الأخير الذي رافق تحركات دبلوماسية في واشنطن أعاد إحياء هذا السؤال، فيما يُظهر النقاش القائم أن المسألة تتجاوز البعد الدستوري إلى حسابات سياسية مباشرة.

غير أنّ قراءة واضحة للدستور اللبناني تُظهر أن النص لا يتضمن أي مادة صريحة تمنع التفاوض مع إسرائيل أو مع أي دولة أخرى. بل إن الدستور يضع هذا الملف ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية التي تتولى رسم السياسة الخارجية للدولة وإدارة علاقاتها الدولية.

ويؤكّد الخبير الدستوري المحامي نجيب فرحات في تصريح لـ «إيست نيوز» أن «المادّة 52 من الدستور أولت رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، صلاحية التفاوض من دون أي قيد أو شرط، ما يتيح لهما تحديد شكل التفاوض سواء كان مباشراً أو غير مباشر». ويُضيف أن «هذا النوع من القرارات يُعد من الأعمال السيادية التي لا تخضع لأي طعن أمام أي مرجعية».

ويُفهم من هذا الإطار الدستوري أنّ المشرّع لم يضع قيوداً مسبقة على طبيعة القنوات التفاوضية التي يمكن للدولة اعتمادها، بل ترك هامش التقدير للسلطة التنفيذية في اختيار الآلية التي تراها مناسبة، سواء لجهة الشكل أو التوقيت أو مستوى الانخراط. كما أن حصر هذه الصلاحية برأسي السلطة التنفيذية يعكس توجهاً واضحاً لاعتبار التفاوض جزءاً من إدارة السياسة الخارجية، لا مسألة استثنائية تستدعي نصوصاً خاصة أو إجراءات إضافية خارج الإطار الدستوري القائم.

وفي هذا السياق، يندرج توصيف فرحات لهذه القرارات ضمن «الأعمال السيادية» في سياق الفقه الدستوري الذي يميّز بين الأعمال الإدارية القابلة للمراجعة وتلك المرتبطة مباشرة بسيادة الدولة وعلاقاتها الخارجية، ما يعني أن مسألة التفاوض، من حيث المبدأ، تبقى محصّنة ضمن هذا النطاق ولا تخضع لرقابة القضاء، بل للمساءلة السياسية ضمن المؤسسات الدستورية.

هذا التفسير لا يأتي بمعزل عن السياق الدستوري العام، بل ينسجم مع طبيعة النظام اللبناني الذي يمنح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً في إدارة الملفّات الخارجية، خصوصاً تلك المُرتبطة بالأمن والسيادة.

ومن الناحية العملية، لم يكن لبنان يوماً خارج مسار التفاوض أو الاتفاقات المُرتبطة بإسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بدءاً من اتفاقية الهدنة 1949، مروراً بـالقرار 1701، وصولاً إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، وهي محطات جرت كلها من دون الحاجة إلى تعديل دستوري.

كما يُستند أحياناً إلى قانون مُقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 وقانون العقوبات لتبرير رفض أي تواصل مباشر، إلا أن نطاق هذه القوانين، في المقاربة القانونية، يطال الأفراد والمؤسّسات الخاصّة، ولا يقيّد الدولة في قراراتها السيادية أو في خياراتها الدبلوماسية.

هنا، يتبيّن أن الإشكالية لا تكمن في النصوص بقدر ما ترتبط بالقرار السياسي وكيفية توظيفها.

وتُظهر وقائع موثّقة في مسار لبنان أن البلاد، رغم الانقسام الداخلي الحاد، لجأت في مراحل حساسة إلى أدوات تفاوضية متنوعة عندما فرضت الظروف ذلك، ما يعزز فكرة أن القرار النهائي في مثل هذه الملفات يبقى قراراً سيادياً تُحدده الدولة وفق موازينها الداخلية والخارجية.

يتبيّن أن جوهر النقاش مرتبط بقدرة القرار السياسي على تحويل التفاوض إلى خيار دولة، لا بوجود عائق دستوري فعلي.
المنشورات ذات الصلة