عاجل:

ارتباك "الثنائي": شارع يصعّد وسلطة تناور

  • ٥٨

"إيست نيوز"- تضجّ المنصّات القريبة من حركة أمل في الآونة الأخيرة بخطاب يستعيد رمزية السادس من شباط، في محاولة لإعادة إحياء صورة الانتفاضة التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ الحركة وزعيمها نبيه برّي، حيث يُقدَّم الرجل بوصفه لا يزال قادراً على استحضار تلك اللحظة المفصلية، بل إن بعض الأصوات تذهب أبعد من ذلك عبر التلويح بأن أبناء الإمام موسى الصدر ينتظرون منه تكرار تجربة السادس من شباط بصيغة جديدة. غير أنّ هذا الخطاب، على كثافته الرمزية، يطرح تساؤلات عميقة حول مدى ارتباطه بالواقع السياسي الراهن، خصوصاً في ظل تحولات داخلية وإقليمية معقّدة لم تعد تشبه تلك التي أنتجت انتفاضة السادس من شباط عام 1984.

المُفارقة الأساسية تكمن في التناقض الواضح بين هذا الخطاب التعبوي وبين المسار السياسي الذي اعتمده بري منذ أن قبض على قرار الشيعة في السلطة من أيام حكومات الإنقاذ الوطني في عهد الرئيس أمين الجميّل، وخصوصاً منذ اندلاع ما سُمّي بحرب إسناد غزة، وصولاً إلى توسّعها نحو ما يشبه إسناداً إقليمياً لإيران. ففي حين ينخرط جمهور أمل وحزب الله في خطاب تصعيدي يرفع سقف المواجهة ويربطها عضوياً بمحور إقليمي، يظهر بري أكثر ميلاً إلى إدارة التوازنات الدقيقة، محافظاً على موقعه الشخصي كضابط إيقاع يسعى إلى الحد من الانزلاق نحو خيارات مفتوحة. هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً في الأسلوب، بل يكشف عن فجوة متنامية بين القيادة السياسية التي أوصلت الأمور إلى تعقيدات خطيرة، وبين قواعد شعبية متأثرة بمناخ تعبوي وإعلامي يدفع باتجاه مزيد من الراديكالية.

في موازاة ذلك، يبرز مشهد "الشارع المتروك" كأحد أبرز مظاهر هذا الالتباس. إذ شهدت المرحلة الأخيرة (ما حصل في بيروت يوم أمس الجمعة) اندفاع مجموعات شعبية إلى استخدام خطاب تخويني حاد في مواجهة أركان السلطة، مع تركيز لافت على استهداف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مقابل تحييد شبه كامل لبري. هذا الانتقاء في توجيه الاتهامات يطرح فرضيتين متناقضتين: إما أنه يعكس قراراً من قيادتي "أمل" و"حزب الله" بترك هامش غضب مضبوط يُوجَّه نحو خصوم محددين، أو أنه مجرّد "مسرحة" سياسية هدفها امتصاص الاحتقان الشعبي من دون المساس بالتوازنات القائمة داخل السلطة. وفي كلا الحالتين، فإن النتيجة واحدة تتمثل في تكريس ازدواجية في الخطاب بين ما يُقال في الشارع وما يُدار في الكواليس.

هذه الازدواجية تتكرّس أكثر في سلوك وزراء ونواب الحركة والحزب، حيث يبدو التناقض صارخاً بين مواقفهم داخل مجلس الوزراء وخارجه. ففي الداخل، يلتزمون منطق التسويات والواقعية السياسية، ويشاركون في اتخاذ قرارات تفرضها ضرورات إدارة الدولة، فيما يتبنّون في الخارج خطاباً تصعيدياً يواكب المزاج الشعبي ويعكس لغة المواجهة. هذا الانفصام لا يمكن قراءته فقط كتكتيك سياسي، بل قد يكون مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بصعوبة التوفيق بين دورين متناقضين، وهما: دور الشريك في السلطة، ودور الممثل لبيئة تعيش حالة تعبئة دائمة.

لذلك، يكشف استحضار السادس من شباط في هذا التوقيت عن محاولة لإعادة إنتاج شرعية نضالية في سياق مختلف جذرياً، فيما يعكس التباين بين القيادة والقاعدة، وبين الخطاب والممارسة، حالة من الارتباك البنيوي داخل بيئة "أمل" و"حزب الله". وبينما يبدو أن نبيه بري لا يزال متمسكاً بخيار إدارة التوازنات ومنع الانفجار، فإن الشارع الذي يُستدعى باسمه يتحرك وفق إيقاع آخر، ما يطرح سؤالاً مفتوحاً حول قدرة هذا التوازن الافتراضي على الصمود في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والإقليمية.

المنشورات ذات الصلة