عاجل:

دخول الحرب ليس كخروجها: حين يتحوّل “النصر” إلى رواية… والخسارة إلى واقع لبناني

  • ٢٤
الواقع لا يُقاس بالبيانات

في الحروب، لا يُهزم أحد في البيانات… ولا ينتصر أحد في الواقع. الجميع يخرج مُنتصراً على الورق، فيما تُترك الخسائر لتتكدّس بصمت في الجغرافيا الأضعف.

هناك دائماً رواية جاهزة، تُعيد ترتيب الوقائع وتمنح كل طرف ما يحتاجه من وهم “النصر”، حتى لو كان الثمن حقيقة لا يمكن إنكارها.

ما جرى في الساعات الأخيرة ليس استثناءً. تصعيد بلغ أقصى حدوده، أعقبه تراجع محسوب، قُدِّم كإنجاز مُتبادل. لكن خلف هذا التوازن الهش، تبرز حقيقة واحدة: الصراع لم ينتهِ، بل أُجّل… ولبنان، مرّة جديدة، في صلب الفاتورة.

مأساة اليوم الأسود

على الرغم من هدنة مؤقّتة بين الولايات المتحدة وإيران، أسفرت الغارات الإسرائيلية الأخيرة على بيروت ومناطق جنوبية عدة عن سقوط أكثر من 1419 شهيداً وجريحاً، في ما أصبح أحد أكثر الأيام دموية في تاريخ العدوان.

في خطوة رمزية، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء اليوم يومَ حدادٍ وطنيّ، لتأكيد الحضور الرسمي للبنان وسط التصعيد ونُكّست الأعلام على كافّة الدوائر الحكومية.

من الجانب الدبلوماسي، حاولت باكستان لعب دور الوسيط لتثبيت اتفاق وقف النار وشملت لبنان ضمنه، فيما أظهرت واشنطن تردداً واضحاً قبل أن تتنصل من الالتزام المباشر. وأكّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن لبنان ليس مشمولاً بالاتفاق، بينما عزّزت إيران موقفها عبر السيطرة على مضيق هرمز، ما جعل التوازن بين التفاهمات الإقليمية على لبنان هشّاً وغير مؤكّد.

إدارة المواجهة: لا غالب ولا مغلوب

في الظاهر، يبدو المشهد وكأنه توازن قوّة فرض إيقاعه. الولايات المتحدة رفعت سقف التهديد ثم تراجعت لتفادي مواجهة مفتوحة، فيما سارعت إيران إلى إعلان “النصر” وتثبيت مُعادلة الردع.

لكن في العمق، لا غالب ولا مغلوب، بل طرفان بلغا حدود القدرة على التصعيد، واختارا إدارة المواجهة بدل حسمها.

في السياسة، لا تُقاس النتائج بما يُقال، بل بما يُترك خلفه. وما تُرك هذه المرّة ليس تسوية مُستقرّة، بل هدنة هشّة، محكومة بشروط غير مُعلنة النوايا، وقابلة للانفجار عند أول اختبار جدّي.

لبنان: ساحة الاختبار

الدخول في هذه المواجهات يبدو سهلاً عند بدايتها، فيما يكشف الخروج منها كلفتها الحقيقية وتعقيداتها غير المتوقّعة.

لبنان، مرّة جديدة، ليس جزءاً من القرار، بل جزء من المشهد التنفيذي. لا يُستشار في الحرب، ولا يُستدعى إلى طاولة الهدنة، لكنه حاضر دائماً في الميدان، حيث تُترجم التفاهمات وتُختبر التوازنات. من الجنوب إلى الداخل، يتحوّل البلد إلى مساحة مفتوحة لقياس الرسائل، لا لاحتوائها.

وهم الانتصار والخسارة الحقيقية

في هذا السياق، يفقد الحديث عن “الانتصار” معناه الفعلي. لأن الحروب التي لا تنتهي بحسم، لا تنتج انتصارات، بل تؤسس لجولات جديدة. وما يبدو اليوم كإنجاز سياسي، قد يتحوّل غداً إلى عبء ميداني، خصوصاً في بلد هشّ كلبنان، لا يملك ترف امتصاص الصدمات.

الأخطر من ذلك، أن من يملك قرار إشعال الجبهات، لا يملك بالضرورة قرار إطفائها. التجربة تقول إن الشرارة الأولى قد تكون محسوبة، لكن مسار النار نادراً ما يبقى كذلك. ومع كل جولة، تتآكل قدرة الداخل على الاحتمال، فيما تتكرّس معادلة خطيرة: لبنان ساحة تُدار فيها الصراعات، لا دولة تديرها.

التفاهمات الهشّة بين القوى الإقليمية

خطاب “النصر” يملأ الفراغ الإعلامي والسياسي، لكنه في الوقت نفسه يحجب الأسئلة الأساسية: ماذا تحقق فعلاً؟ وهل يمكن اعتبار تجنّب الأسوأ إنجازاً؟ ومن يتحمّل الكلفة الحقيقية؟

في الحالة اللبنانية، الإجابة واضحة: الكلفة تُدفع يومياً، من اقتصاد منهك، ومن استقرار هشّ، ومن مجتمع يعيش على وقع الترقّب الدائم. كل تصعيد في الإقليم ينعكس مباشرة على الداخل، وكل هدنة لا تشمل لبنان فعلياً، تعني ببساطة تمديد الأزمة لا إنهاءها.

نهاية الصراع: لبنان في الواجهة

في المُحصّلة، قد ينجح الجميع في إعلان انتصاراتهم، وقد يقتنع كل جمهور بروايته، لكن الوقائع تبقى أكثر صلابة من أي خطاب. ما جرى ليس نصراً بقدر ما هو إدارة للخسارة، وليس نهاية لصراع بقدر ما هو استراحة بين جولتين.

أما في لبنان، فالمُعادلة أبسط وأكثر قسوة: حين يعلن الجميع انتصاره، يكون المؤشّر الوحيد أن أحداً لم ينتصر فعلاً… وأن الخسارة، مرة جديدة، كُتبت على الهامش اللبناني.

وفي ظلّ هذا الواقع، يبقى السؤال الأكثر تحدياً: إذا كان هذا “نصراً” كما يُقال.. فكيف تكون الهزيمة؟
المنشورات ذات الصلة