عاجل:

هآرتس: كلما تبددت توقعاته يصعد الرئيس الأميركي من تهديداته

  • ٣٨

بقلم: تسفي برئيل

لقد تم تأجيل العرض الفظيع الذي وعد الرئيس الأميركي بتنفيذه في ايران، الذي يشمل قصف البنى التحتية للطاقة والكهرباء والجسور، ثلاث مرات. الموعد الحالي هو الساعة الثالثة فجر يوم الاربعاء بتوقيت اسرائيل، اذا لم يطرأ أي تغيير في اللحظة الاخيرة. ربما يكون هذا التغيير محتمل اذا تبنت ايران والولايات المتحدة اقتراح التسوية الذي طرحته باكستان، بالاتفاق كما يبدو مع الشركاء في الوساطة، السعودية ومصر وتركيا.

تشمل النقاط الرئيسية في الاقتراح وقف اطلاق النار لمدة 45 يوم وفتح مضيق هرمز بشكل كامل امام الملاحة، وستستمر المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران من اجل التوصل الى اتفاق نهائي في الاسابيع القادمة. أما رد ايران العلني – حتى لو لم يكن رسميا – جاء من علي اكبر ولاياتي، المستشار السياسي الكبير لمجتبى خامنئي، المرشد الاعلى “الخفي”، الذي لم يظهر علنا حتى الآن. لقد حذر ولاياتي في تغريدة له في “اكس” وقال: “الرئيس الأميركي الغبي يهدد بتدمير البنى التحتية للكهرباء! اذا اراد زعماء الدول العربية منع كل المنطقة من الوقوع في الظلام فيجب عليهم الشرح لترامب بان الخليج الفارسي ليس مكان للمقامرة.

ولاياتي (80 سنة) هو شخص مثير للاهتمام، وله نفوذ كبير في عملية صنع القرار في ايران الآن. وقد شغل منصب وزير الخارجية مدة 16 سنة في عهد رؤساء محافظين وغير محافظين، وهو يعرف جيدا معظم زعماء العالم، وقد تورط مع عدد منهم في قضايا حساسة مثل قضية “ايران غيت” في ثمانينيات القرن الماضي. ويشتبه في انه خطط مع خامنئي وآخرين لمهاجمة المركز اليهودي في بوينس آيريس في 1994. وكان ولاياتي مبعوث خامنئي للمهمات السياسية الخاصة، وهو مقرب جدا من الحرس الثوري والجماعات التي تدير الاقتصاد في ايران.

وهو طبيب اطفال في مهنته، تخصص في هذا المجال في جامعة جونس هوبكنز في الولايات المتحدة. وقد جمع ثروة طائلة من الامتيازات التي حصل عليها لاقامة مستشفيات خاصة في ايران. ويظهر اسمه في قائمة من يديرون المؤسسات والشركات الحكومية الغنية بالمعرفة ورؤوس الاموال في ايران.

في 2013 عندما ترشح لمنصب الرئاسة، هاجم سعيد جليلي وقال: “لقد كنت المسؤول عن الملف النووي لسنوات كثيرة، ولكن نحن لم نتقدم خطوة واحدة. الدبلوماسية ليست مسالة قسوة أو عناد. فن الدبلوماسية هو الحفاظ على حقوقنا في مجال الذرة وليس توسيع العقوبات على ايران”. جليلي الذي شغل منصب الامين العام لمجلس الامن القومي الاعلى، وكان رئيس طاقم المفاوضات حول الاتفاق النووي، الذي سعى بجهد لافشاله دائما، يشغل الان منصب رفيع في لجنة فحص مصالح النظام.

حتى الان ما زالت العلاقة متوترة بين جليلي وولاياتي، وتكتسب هذه العلاقة اهمية كبيرة عند محاولة تعقب مسار عملية اتخاذ القرارات في ايران، وهي جزء من نسيج معقد اكثر من مجرد اعتبار الحرس الثوري انه الجهة الوحيدة التي تحدد سياسة ايران.

بعد تغريدة ولاياتي صدر رد رسمي مقتضب يفيد برفض ايران لاقتراح باكستان. ومطالبتها بانهاء الحرب وانشاء آلية للمرور الامن في مضيق هرمز والبدء في اعادة الاعمار ورفع العقوبات الدولية. وقد صرح ترامب بان الاقتراح الايراني “محترم، لكنه غير كاف”. مع ذلك، ما زال رده يترك مجال للمزيد من جهود الوساطة طوال هذا اليوم، التي قد تؤجل تنفيذ تهديد ترامب، والتي ربما تفضي الى اقتراح مقبول على الطرفين. السؤال الان هو من الذي سيتراجع أولا، ومن الذي سيسيطر على التصعيد عمليا؟.

يبدو ان ترامب يملي بتهديده حجم التوتر، وهو ايضا الشخص الذي يملك القدرة على اطفاء اللهب. ولكن يبدو انه عالق الان في دوامة تتفاقم مع كل تنبؤ لم يتحقق. فالنظام لم يسقط بعد الضربة الاولى التي اطاحت بالقيادة العليا في ايران وبالمرشد الاعلى علي خامنئي. ورغم الصعوبات الكبيرة ما زالت آليات الحكم تعمل.

لم يوقف تدمير البنية التحتية العسكرية استمرار اطلاق الصواريخ والمسيرات، أو عمليات وكلاء ايران في لبنان والعراق واليمن. بسرعة استبدلت ايران استراتيجية “الجيرة الحسنة” مع دول الخليج بسياسة عدائية منهجية بهدف تجنيد هذه الدول ضد الولايات المتحدة، وهو الامر الذي فاجأ ترامب نفسه. وقد أدى اغلاق مضيق هرمز، خطوة اخرى غيرت وجه العالم من جانب الايرانيين والتي تلقى ترامب بشانها تحذيرات من ايران وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، الى تحويل الحرب من مواجهة ثلاثية بين امريكا – اسرائيل – ايران الى مستوى دولي بدون ان يتمكن ترامب من تشكيل تحالف دولي وعربي لمساعدته. والان قد يلحق تهديده ضرر بالبنية التحتية للكهرباء في ايران ويشعل فتيل مرحلة جديدة للحرب، ليس ضد النظام، بل ضد مواطني الدولة مباشرة. هنا ايضا ايران مستعدة ولديها تهديدها الخاص.

هذا تصعيد خرج عن السيطرة، وهو يفرض نفسه. فكلما ازداد تصاعده زادت التكلفة السياسية والدبلوماسية الباهظة للخروج منه. والاهم من ذلك هو ان هذه التكلفة، حتى لو تم دفعها، فهي لن تضمن تحقيق اهداف الحرب الاصلية. لقد اصبح من الواضح ان فتح مضيق هرمز، القضية التي لم تكن مطروحة أصلا على جدول الاعمال في بداية الحرب، ذريعة للحرب. ترامب صرح في السابق بان اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة لا يثير اهتمامه لانه “مدفون في اعماق الارض”، وان الصواريخ يمكن مراقبتها من الجو، وان اسقاط النظام لم يعد وارد في تصريحاته منذ زمن.

اقوال ولاياتي توضح بان ايران ما زالت تلتزم بالسياسة التي تبنتها لعقود. ايران لم تبدأ حرب مباشرة ضد جيرانها أو ضد دول اخرى، وهي لا تحتل أي اراضي. لقد تركت مهمة المواجهة المباشرة لوكلائها في لبنان واليمن والعراق.

ايضا في هذه الحرب تسعى ايران بجهد الى تقديم نفسها كطرف مدافع وينفذ “تصعيد متكافيء”، لكن في الحقيقة هي تخوض حرب غير متكافئة أو يمليها عليها وضعها العسكري الاضعف مقارنة مع امريكا واسرائيل، وفي خضم ذلك هي تستغل ميزتها الجغرافية، مثل القدرة على السيطرة على مضيق هرمز والتهديد باغلاق مضيق باب المندب قرب اليمن، أو قربها من دول الخليج الهشة، التي اصبحت سلاح استراتيجي في ايديها، فضلا على قدرتها على تشغيل وكلائها بطريقة تضعضع استقرار دول المنطقة. وبالمثل، استقبل تهديد ترامب بتهديد البنى التحتية المدنية، لا سيما محطات توليد الطاقة، بنفس الرد. فحسب دول الخليج لا يمكن ان يكون هذا التهديد اقل تدميرا من الظلام الذي يهدد الرئيس الأميركي بالقائه على ايران.

قد يؤدي اندلاع حرب الكهرباء الى توسيع نطاق الصراع من حقول النفط والغاز والسيطرة على ممرات الملاحة الى محطات تحلية المياه، التي تؤمن حوالي 90 في المئة من استهلاك المياه في دول الخليج، وقد تضررت كثيرا هذه المحطات في الاعوام 2019 – 2022 في السعودية، وقبل ذلك بكثير في الكويت عندما قام بغزوها صدام حسين في 1990، ونتيجة لذلك تبنت معظمها سياسة التخزين وبناء بدائل لتلبية احتياجات السكان مثل لامركزية محطات تحلية المياه في السعودية أو انشاء خزانات جوفية في دولة الامارات.

هل ستجعل كارثة انسانية وطنية، تؤثر على ملايين المواطنين، الولايات المتحدة حليفة مفضلة لدى الرأي العام في ايران؟ لقد تعلمت اسرائيل درس أو اثنين من فرض العقوبات الانسانية القاسية على سكان غزة، وادركت بعد فوات الاوان بأنها لم تحقق أي مكسب استراتيجي، بل هذا جعلها دولة منبوذة. ولا يقل اهمية عن ذلك، الى متى سيبقى سكان دول الخليج يعيشون في الظلام الذي ستفرضه عليهم ايران، اضافة الى نقص حاد في المياه، قبل ان يخرجوا هم ايضا الى الشوارع ويهددون استقرار الانظمة في بلادهم؟

المنشورات ذات الصلة