عاجل:

ترامب وجُمعاته السبع: أو "كلام الليل يمحوه النهار"

  • ١٥

كَتَبَتْ فاليري كوروفين

يبدو التصريح للوهلة الأولى "مزلزلا" لثوابت السياسة التي نعرفها، إلا أنه في حقيقته لا يحمل من الثقل السياسي سوى ضبابية المصدر. فترامب، الذي سرعان ما ستخبو حماسته بعد دقيقتين، يذكرنا بالمثل الروسي الشهير "صاحب السبع جمعات"، الشخص الذي تتبدل أحواله وآراؤه ومزاجه، حتى أن لديه "سبع أيام جمعة" في الأسبوع الواحد، ينقض صباح كل يوم ما يبرمه ويغلظ الأيمان بشأنه يوم أمس، يتلون ويتراجع تماما كما يفعل الرئيس ترامب.

فبينما تؤكد مصادر أمريكية جدية بحث الانسحاب من الحلف، تتناثر أقوال الرئيس في فضاء متعارض، فهو تارة يؤكد لنا أن واشنطن وتل أبيب قادرتان على حسم الملف الإيراني بمفردهما. ثم يعود ويؤكد لنا أن المعركة قد حسمت أصلا، ولم يعد هناك حاجة للوجود في المنطقة. ثم يعقب بأن الولايات المتحدة "لا تحتاج إلى نفط الخليج"، وعلى من يرغب في فتح مضيق هرمز فليذهب ويفتحه، مهددا حلفاء الأمس الذين امتنعوا عن المساعدة في إعادة فتحه. وهكذا تدور التصريحات في حلقة مفرغة من التصريحات العنترية والإنكار والتهديد والوعيد.

تشرق شمس اليوم التالي فيتبدل مزاج ترامب، ويستفيق مبتسما ضاحكا مستبشرا، ويعلن العفو عن الجميع: إيران أو "الناتو" أو كليهما، فيصف قادة أوروبا بأنهم "رجال طيبون"، وقادة إيران الذين "يتفاوض معهم" بأنهم "أقل تطرفا من أسلافهم"، ثم لا يدري أحد فعليا ما ستتلفظ به شفتاه في اللحظة القادمة، بل ربما لا يدري هو نفسه.

لكن، ماذا لو جاوز الأمر مرحلة الاستفزاز اللفظي إلى حيز التنفيذ؟ 

هنا يبرز جدل قانوني حول الآليات الإجرائية لمثل هذه الخطوة.

فما الذي أثار هذا العزم المفاجئ؟

يعيد ترامب إلى الذاكرة شكواه الأليمة بشأن دعم واشنطن للحلفاء في أوكرانيا بشكل تلقائي، في الوقت الذي تقف فيه أوروبا اليوم مكتوفة الأيدي أمام العملية الأمريكية ضد طهران. بيد أن السياق التاريخي، بالحقائق والوقائع على الأرض، يشير إلى أصابع واشنطن في إشعال فتيل الأزمة الأوكرانية بانقلاب عام 2014، والإطاحة بالحكومة الشرعية، والإمداد بالأسلحة، والتحريض على المواجهة مع موسكو، لا سيما عبر التصريحات المتكررة حول انضمام كييف إلى "الناتو"، وغيرها من الاستفزازات التي استمرت وتستمر حتى يومنا هذا.

يغفل ترامب كذلك، أو يتغاضى عمداً، عن حقيقة أنه كان ينسب هذه الملفات سابقا، وهذا "التورط" في أوكرانيا إلى إدارة بايدن، ويصف الديمقراطيين بالعدو الأول للولايات المتحدة بعد إيران.

الآن، يعود ترامب ليتذكر "مساعدة" الولايات المتحدة لأوروبا و"إنقاذها" في الملف الأوكراني، الذي طالما هاجم سلفه بايدن بشأنه، وقال إنها "حرب بايدن" لا حرب ترامب. فأي منطق هذا؟ لكنه منطق ترامب، فلا عجب من التناقض.

الحقيقة أن ترامب لم يستشر أحدا من حلفائه في العواصم الأوروبية حين خطط للعملية، بل حصر مشاوراته مع تل أبيب ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو وحده.

ومن الناحية القانونية، فإن تفعيل المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، التي تجيز تدخل الحلف عسكرياً، مشروط بهجوم مسلح على أحد أعضائه. فمن هاجم الولايات المتحدة؟ هل إيران؟

إن الحالة الوحيدة التي فُعلت فيها هذه المادة كانت إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ودعت واشنطن حينها الحلف إلى قمة طارئة اتُخذ فيها قرار الدعم العسكري في أفغانستان. أما هذه المرة، فلم يجمع ترامب زعماء الحلف، بل اكتفى باتصالات مع روبيو، وويتكوف، وكوشنر، الذين هاتفوا نتنياهو بدورهم. فكل ما يُنسب إلى أوروبا من تقصير، يقع في غير محله، بل يحق للأوروبيين أنفسهم أن يتذمروا من إقصائهم عن صنع القرار من الأساس.

ولنفترض، جدلاً، أننا نقف في صف ترامب، ونتخيل أن إيران قد "هاجمت" الولايات المتحدة رداً على ضرب النخبة السياسية الإيرانية، وتدمير منشآت عسكرية، ومدرسة للبنات، وأن طهران، بدلاً من الاستسلام، قاومت بتدمير الرادارات الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز، بينما وقفت أوروبا ممانعة للمشاركة. حتى في هذا الافتراض، يبقى السؤال الجوهري الذي يشغل المحللين: كيف تُصاغ هذه الخطوة إجرائياً وقانونياً؟

يؤكّد المؤيدون لترامب أن المادة الثالثة عشرة من معاهدة شمال الأطلسي تتيح لأي عضو الانسحاب بعد إخطار رسمي بعامٍ كامل موجه إلى... الحكومة الأمريكية نفسها. ذلك أن واشنطن هي الوديعة الرسمية للمعاهدة، وعليها إبلاغ سائر الأعضاء بقرار الانسحاب، واستلام وثائق الخروج لإيداعها. وهنا تكمن المفارقة القانونية: إذا أرادت الولايات المتحدة الانسحاب، فكيف تُبلغ ذاتها؟ وكيف تستقبل بيان انسحابها الخاص؟ وعلى أي أساس تحتفظ بأرشيف المعاهدات التأسيسية لدولة غدت خارج الإطار؟ أهذا كل ما يقلقكم؟

 غير أن هذه الإشكاليات لا تعني لترامب شيئاً. فصلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة، في نظر مؤيديه، لا تقيد بها مواثيق دولية، بل بقناعاته الذاتية وحسب؛ كما صرح: "لا قيد عليّ سوى أخلاقياتي وعقلي. لا حاجة بي إلى القانون الدولي". فأنتم تخشون على الإجراءات الشكلية ونقل الأرشيفات وإعادة صياغة المعاهدات؟ أما هو فيرى أن ميثاق "الناتو" لا يعدو كونه ورقة ترمى جانبا على قارعة الطريق. فالمرجع الوحيد هو صوت ضميره، أو ما يسميه هو "عقله".

والحصيلة النهائية واضحة: إذا لم يأتِ اليوم الذي يهدأ فيه ترامب، وأصرَّ على المغادرة، فسيغادر ببساطة، ولن يكترث لضجة الإجراءات. «ليست مشكلتي، بل مشكلتكم»، سيردّ على حلفائه الأوروبيين المُصعقين، الذين لم يزل رأيهم خارج حساباته. وبذلك تُطوى صفحة الناتو كما عرفناها. وحتى لو اجتمع الباقون على تشكيل تحالفٍ بديل، فسيكون كياناً مختلفاً جذرياً. فالناتو، في جوهره، هو الولايات المتحدة، والولايات المتحدة، اليوم، هي ترامب، وترامب لا يتبع سوى نزوته. أهو عازم على الرحيل حقاً؟ أم أنه مجرد تيار عابر؟

الجواب، كما أسلفنا، وكما يقول المثل الروسي: "ننتظره بحلول السبت القادم".

المنشورات ذات الصلة