ليس مفاجئاً أن يتحول قصر العدل إلى ساحة لتصفية الحسابات الإعلامية، لكن المستغرب حقاً هو أن تتحول "النيابة العامة" من جهة ملاحقة يُفترض بها صيانة المال العام، إلى مظلة "لحفظ" ملفات الهدر وتوزيع صكوك الغفران المبطنة. وما جرى مؤخراً في ملف الكهرباء ليس مجرد قرار قضائي عابر، بل هو انعكاس لنهج أصبحت النيابة العامة التمييزية تنتهجه مع دنوّ انتهاء مدة ولاية المدعي العام التمييزي؛ نهجٌ يشي برغبة واضحة في "تأمين خط الرجعة" نحو البيئة الحاضنة، وكأن التحصن بالهوية المذهبية هو الترياق الأخير لضمان تقاعد هادئ بعيداً عن ضجيج المحاسبة.
هنا يبرز التساؤل المشروع حول طبيعة "الكيمياء" المفاجئة التي باتت تجمع مدعي عام التمييز ببعض الأذرع الإعلامية، وتحديداً قنوات تلفزيونية، حيث تتقاطع المصالح بشكل مريب في ملفات حق عام، ويتم تحييد أسماء "فوق الشبهات"، بينما تُشهر سكاكين الملاحقة وبلاغات البحث والتحري بسرعة البرق ضد أصوات صحفية أخرى. هذا الانتقاء الفاضح يضع القضاء أمام مرآة الحقيقة: هل نحن أمام حارس أمين للخزينة، أم أمام طرف في اشتباك إعلامي يسخّر صلاحياته لترهيب الخصوم بقرارات منع السفر وتكميم الأفواه؟
إن ما فات الكثيرين في غمرة هذا السجال هو التذكير بحقيقة قانونية ثابتة: النيابة العامة، برمتها، ليست قضاءً بالمعنى المحدد في قانون أصول المحاكمات الذي حدده، وهي ليست من صلاحياته إصدار أحكام بالبراءة أو الإدانة، إنما أناط بالنيابة العامة صلاحية وسلطة الاتهام. فحين يقرر "قاضي القضاة" إغلاق ملف هدر بعشرة ملايين دولار بدلاً من إحالته إلى المحاكم المختصة لتقول كلمتها، فهو لا يحقق العدالة بل يجهضها في مهدها. ويبدو أن شعار "يا رايح كتر القبايح" قد وُظّف هنا بدقة لخدمة "البيئة والمحيط"، في محاولة بائسة لترميم هيبة وظيفية تداعت أمام وثائق الهدر التي بقيت حبيسة الأدراج دون أي محاسبة.
وبينما تنشغل المحطات الإخبارية في حروب "الإلغاء"، يبقى المواطن هو الضحية الوحيدة في ثقب الكهرباء الأسود، إذ إن القاضي الذي يغادر منصبه مثقلاً بأوزار ملفات "محفوظة" دون أي ملاحقات بحق أي "شخصية"، يثبت مرة أخرى أن العدالة في لبنان ليست عمياء كما تقتضي الأصول، بل هي "بصيرة" جداً وحادة النظر عندما يتعلق الأمر بالمصالح السياسية والمحيط الإعلامي الصديق الحاضن.
وإننا نعتبر هذا المقال بمثابة إخبار إلى النيابات العامة المختصة للتحرك فوراً للتحقيق في ملف الكهرباء وملاحقة مرتكبي أي أفعال جرمية بهذا الملف منذ عدة عقود، وذلك حفاظاً واسترجاعاً للمال العام.