في زاويةٍ هادئة من المشهد، بعيداً عن ضجيج التصريحات والأرقام، تتكشف الحكاية الأكثر صدقاً. هُناك، جلس رجلٌ مُسنّ على كرسيٍ بسيط، مُستنداً إلى يده، واضعاً كفّه على خدّه كأنّه يحاول أن يسند ما تبقّى من ثقل الأيام. نظرته شاردة، لا تبحث عن شيء قريب، بل تغوص في عمق بعيد، حيث البيوت التي تُركت قسراً، والذكريات التي لم تجد وقتاً للوداع.
غير بعيدٍ عنه، جلست امرأةٌ مُسنّة، لا تشبهه بقدر ما تُكمل المشهد. بدت كأنّها تحمل وجعًا من نوعٍ آخر، أكثر هدوءاً وأشدّ عمقاً. يدها المرفوعة إلى خدّها لم تكن مجرّد حركة عابرة، بل إيماءة تختصر تعباً مُتراكماً، وصمتاً طويلاً فقد قدرته على الشكوى. عيناها ساكنتان، لا دموع فيهما، لكنّهما تقولان ما تعجز عنه الكلمات.
ولم يكن هذا المشهد تفصيلاً عابراً؛ ففي أكثر من صورة، تكرّرت الحركة نفسها: أيدٍ مُسنّة تستند إلى خدودٍ مُثقلة، كأنها تحاول أن تُخفّف عن رؤوسٍ لم تعد تحتمل ثقل الهموم. هناك، بدا التعب مُشتركاً، كما لو أنّ الوجع نفسه وجد طريقه إلى الوجوه جميعها، واختار الصمت لغةً له.
في هذه الوجوه، لا يظهر مُجرّد أشخاص أنهكهم الزمن، بل تتجسّد حكاية إنسانية كاملة. تجاعيدها ليست آثار سنوات فحسب، بل خرائط وجعٍ رسمتها التجارب القاسية، وندوب نزوحٍ لم يترك لأصحابه خياراً سوى الرحيل. هي ليست حالات فردية، بل صورة مُكثّفة لآلاف الحكايات التي تتشابه في الألم، وإن اختلفت تفاصيلها.
الكرسي الذي جلس عليه الرجل لم يكن مُجرّد مقعد، بل بدا كأنه محطة انتظارٍ طويلة؛ انتظار لخبرٍ يبعث الطمأنينة، أو لعودةٍ أصبحت حلماً مؤجّلاً، أو حتى لنهايةٍ أقل قسوة من هذا التعليق القاسي بين ماضٍ لم يعد، وحاضرٍ لا يُحتمل. أما يده التي أسند بها رأسه، فكانت تحمل أكثر من تعبٍ جسدي، كانت تحمل ثقل الخسارة حين تصبح أكبر من أن تُروى.
والمرأة، في جلستها الصامتة، لم تكن مُجرّد شاهدٍ على الحكاية، بل جزءًا منها. لم تقل شيئًا، لكنها سألت كل شيء.
في نظرتها سؤالٌ مفتوح لا يجد جواباً: إلى متى؟ إلى متى يبقى الإنسان مُعلّقاً بين أرضٍ يحبّها ولا يستطيع العودة إليها، وواقعٍ لا يشبهه ولا يمنحه الأمان؟
هذه الصور لا تحتاج إلى تعليقٍ طويل، فهي تقول ما يكفي بصمتها. هي تذكيرٌ قاسٍ بأن خلف كل رقمٍ يُعلن، هناك إنسانٌ يحمل وجعه بصمت، وأن النزوح ليس مُجرّد انتقالٍ من مكانٍ إلى آخر، بل اقتلاعٌ من الجذور، وانكسارٌ هادئ لا يُرى، لكنه يُعاش في كل لحظة.
يبقى المشهد كما هو: رجلٌ يحدّق في البعيد، وامرأةٌ تغرق في صمتها، وبينهما حكاية وطنٍ كامل، لا تزال تُروى… دون كلمات.
فكم من الحكايات المُماثلة ما زالت تنتظر أن تُرى، وكم من هذا الصمت يحتاج من يسمعه؟ وهل سنسمعها قبل فوات الأوان؟
تصوير: عباس سلمان
×