عاجل:

الكونسرفتوار ينعى أحمد قعبور: صوت المدينة ووجدانها

  • ١٢
نعى الكونسرفتوار في بيروت الفنان أحمد قعبور. وقال: "غيّب الموت قامةً وطنية شامخة وأيقونة فنية صاغت بوجعها وألحانها هوية الأرض. رحل الفنان اللبناني الكبير أحمد قعبور، بعد رحلة إبداعية طويلة اختتمها بوقار الصبر على المرض. برحيله، يطوي لبنان صفحةً من أنبل صفحات الفن الملتزم، في وقتٍ تتوالى فيه الخسارات الكبيرة، لتترك بيروت يتيمةً من صوتٍ كان نبض أرصفتها وحارس حكاياتها".

أضاف: "ينعى المعهد الوطني العالي للموسيقى، باسم رئيسته ومجلس إدارته وأوركستراته وهيئتيه الإدارية والتعليمية، الفنان الاستثنائي أحمد قعبور. إن الكونسرفتوار، الذي كان له شرف استضافة هذا الرمز الوطني في حفلة أخيرة له، يودع اليوم فناناً كان مدرسة في العطاء الإنساني، وصوتاً صدح بالحق والحرية، وسيبقى إرثه الفني والوطني منارةً تلهم الأجيال الصاعدة في أروقة المعهد وفي وجدان كل لبناني".

وتابع: "أحمد قعبور الذي كانت ألحانه وكلماته بياناً ثورياً مغلّفاً بالرقة، عرف كيف يطوّع الموسيقى لتكون في خدمة الإنسان، فكان صوت من لا صوت لهم. تميز فنّه بقدرته العجيبة على الجمع بين النخبوية في التكوين الموسيقي والشعبية في الانتشار، فدخلت ألحانه البيوت والمخيمات والساحات، وصار شخصيةً تختزل خفة ظل المدينة ومرارة واقعها في آنٍ واحد. قدّم قعبور نموذجاً فريداً للفنان الذي يرفض العيش في برج عاجي، متمسكاً بهويته البيروتية الأصيلة، وبإيمانه المطلق بأن الفن هو السلاح الأرقى لمواجهة القبح والنسيان".

وقال: "كان قعبور هو الهوية التي لم تضل طريقها يوماً، غنى لبيروت، للبسطاء، للفقراء، للعمال، وللشوارع المنسية. من "أناديكم" التي تحولت إلى نشيدٍ أممي للصمود، إلى أغنياته التي رسم فيها تفاصيل بيروت، قدم لمدينته وفنه حياةً كاملة من الصدق. رحيله اليوم يمثل خسارة فادحة للفن العربي، إذ كان يمثل الجسر الرابط بين النغم الراقي والقضية الإنسانية الكبرى، خاصة في توثيقه لحكايات العائلات والناس الطيبين في "بيروت يا بيروت" و"يا رايح صوب بلادي" والكثير غيرهما. ولا يمكن للذاكرة أن تنسى تلك اللحظات المهيبة والمؤثرة في حفلته الأخيرة التي أقامها الكونسرفتوار في كانون الأول ٢٠٢٥، حيث حلّ قعبور ضيف شرفٍ مكرماً رغم وطأة رحلة علاجه القاسية".

أضاف: "في تلك الليلة، وبكل ما أوتي من شموخ، وقف ليؤدي رسالته الأخيرة لبيروت. وأثناء الأداء، وفي لحظة تجلٍّ فني تغلبت فيها الروح على وهن الجسد، هوى الفنان الكبير على خشبة المسرح وسط ذهول وتأثر الحاضرين. لم تكن سقطة ضعف، بل كانت عناقاً أخيراً وأبديّاً للمكان الذي منحه عمره. يومها، أحاطه الجميع بفيض من الحنان والاهتمام، في مشهدٍ جسّد أسمى معاني الوفاء لفنانٍ أعطى قلبه للناس، فاحتضنه الناس في لحظة تعبه الجميل، وكأن المسرح أبى أن يودعه إلا وهو في أوج عطائه وعنفوانه".

وختم: "رحم الله أحمد قعبور، "صوت الناس" و"ضمير المدينة"، ولعائلته وللبنان الصبر والسلوان".

وقالت رئيسة الكونسرفتوار هبة القواس: "برحيل أحمد قعبور، يفقد لبنان بوصلةً إنسانية وفنية نادرة. لم يكن أحمد ضيفاً عابراً في الكونسرفتوار، بل كان أخاً وصديقاً كبيراً حمل همّ الوطن في أوتاره. رحل من علّمنا كيف نحب بيروت بصدق، وكيف نحوّل الألم إلى نغمٍ يقاوم الانكسار. وداعاً يا صاحب الحنجرة التي لم تعرف المهادنة، ستبقى ألحانك أمانة في ذاكرتنا الموسيقية، وستبقى ذكراك حية في قلب كل مبدع".

أضافت: "أغنياتك كانت كرائحة خبز في صباح قديم، كرائحة وطن لم يغادرنا رغم كل ما غادر. في صوتك كانت الشوارع أقل تعباً، وكانت الذاكرة أقل خوفاً. كيف يمكن لصوت أن يرحل، وقد علّم الريح أن تحفظه؟"
المنشورات ذات الصلة