عاجل:

غياب وحضور: صورة واحدة تختصر واقع الحكومة اللبنانية..

  • ٥٣



ليست كلّ جلسات مجلس الوزراء تُروى بمحاضرها، ولا تُختصر بقراراتها. أحيانًا، صورة واحدة تكفي لتقول ما تعجز عنه البيانات الرسمية. في جلسة السراي الأخيرة، وعلى وقع قرار طرد السفير الإيراني وما أثاره من انقسام سياسي حادّ، برز مشهدان متناقضان، لكنهما متكاملان في رسم صورة المرحلة.


في الزاوية الأولى من القاعة، جلس “الغياب” على كرسي وزير الصحّة العامّة الدكتور ركان ناصر الدين. مقعدٌ فارغ، لكنه لم يكن صامتاً. الغياب جاء على خلفية تسجيل موقف من قرار طرد السفير الإيراني، ممّا يضيف بعداً سياسياً مباشراً للكرسي الفارغ. كان يحمل في طيّاته موقفًا سياسياً واضحاً، ويعكس امتداد المُقاطعة داخل الحكومة. الكرسي، صامت لكنه حاضر، وكأنّه يطرح السؤال نفسه: كيف تُدار حكومة بنصف حضور ونصف قرار؟


الكرسي الفارغ لم يكن تفصيلًا عابراً. في الحياة السياسية اللبنانية، الغياب غالبًا ما يكون أبلغ من الحضور. هو رسالة بحدّ ذاته، تُقرأ في سياق التوتّرات، وتُفهم كجزء من لعبة شدّ الحبال المفتوحة على أكثر من مستوى.


في المقلب الآخر من الصورة، مشهد مختلف تماماً. وزراء “القوات اللبنانية” جلسوا مُتقاربين، ومتكاتفين بوضوح لافت. وزير المُهجرين كمال شحادة ووزير الصناعة جو عيسى الخوري يتوسّطهما وزير الخارجية والمُغتربين يوسف رجّي، في صورة بدت عفوية للوهلة الأولى، لكنها تحمل أكثر من دلالة. تقارب جسدي، وحديث جانبي، وابتسامات مُتبادلة… كلها تفاصيل تعكس انسجاماً سياسيًا ورسالة وحدة داخل الفريق.


لم تكن تلك اللحظة مُجرّد لقطة إنسانية داخل جلسة رسمية. في السياسة، حتى الابتسامة قد تكون موقفًا. التكتّل في الجلوس، في توقيت كهذا، يوحي بتماسك في الرؤية، وربما برغبة في التأكيد أن هناك من يحضر بوضوح، ليس فقط عددياً، بل أيضًا سياسياً.


بين الكرسي الفارغ والمقاعد المُتلاصقة، تختصر الصورة مشهد الحكومة اليوم: انقسامٌ في المقاربة، وتباينٌ في الخيارات، مقابل محاولات واضحة لشدّ الصفوف داخل بعض المكوّنات. هي حكومة تجتمع، نعم، لكنّها في الوقت نفسه تكشف هشاشتها أمام أول اختبار سياسي كبير.


في لبنان، لا شيء يُقرأ كما هو. حتى التفاصيل الصغيرة تتحوّل إلى إشارات. صورة الكرسي الفارغ ليست مُجرّد غياب وزير، وصورة التماسك ليست مجرد لحظة ودّ. هما معًا، مرآة لواقع سياسي يعيش على حافة التوازن الدقيق، حيث كل حركة محسوبة، وكل مشهد قابل للتأويل.


قد تمرّ الجلسة، وتُطوى قراراتها في أرشيف الأيام، لكن الصور تبقى. لأنها ببساطة، تختصر الحقيقة كما هي: حكومة بين فراغٍ يعبّر، وتماسكٍ يُراد له أن يُقنع.


وفي نهاية المطاف، بين الكرسي الفارغ والصف المُتماسك، يبقى السؤال: هل ستتمكّن الحكومة من تحويل هذا الانقسام إلى قرار موحّد، أم أنّ الصور فقط هي التي ستروي قصة الواقع السياسي اللبناني؟.

تصوير: عباس سلمان 

المنشورات ذات الصلة