عاجل:

الكرنتينا بين النزوح والهواجس: أزمة إنسانية تتقاطع مع الانقسام والتصعيد السياسي

  • ٧٥
في ظلّ التصعيد الأمني المتواصل جنوباً واتّساع رقعة النزوح، برزت منطقة الكرنتينا في بيروت كإحدى نقاط الاستقبال التي فُتحت أمام العائلات النازحة، عبر تجهيز غرف ومراكز إيواء مؤقّتة. غير أنّ هذا التطوّر، على أهميته الإنسانية، سرعان ما تحوّل إلى مادة سجالية تعكس عمق الانقسام اللبناني بين ضرورات الإغاثة ومخاوف التغيير الديموغرافي والسياسي.

وفي خضمّ هذا الجدل، يبرز سؤال يتردّد في الشارع: ما علاقة “حزب الله” بملف إيواء النازحين في الكرنتينا؟ خصوصاً في ظلّ تصاعد الانتقادات داخل بيئته الحاضنة، حيث باتت مواقفه وخياراته موضع نقاش واعتراض لدى شريحة غير قليلة من الجمهور الشيعي، على وقع تداعيات الحرب والضغوط المعيشية، ما يضفي بُعداً إضافياً على أيّ ملف داخلي يتقاطع مع النزوح والتوازنات الحسّاسة.

لكنّ هذه الصورة الإنسانية لا تنفصل عن سياق سياسي وأمني متوتّر. إذ تتزامن مع تصعيد في مواقف قيادات “حزب الله”، حيث رفع وفيق صفا سقف خطابه، ملوّحاً بإجبار الحكومة على التراجع عن قراراتها، ولو عبر الشارع، فيما ذهب محمود قماطي إلى حدّ التحذير من “تسونامي شعبي” وإمكانية إسقاط الحكومة، ما يعكس مناخاً تصاعدياً داخلياً يواكب الحرب ويلقي بثقله على الملفّات الحساسة، وفي مقدّمها ملف النزوح.

في هذا السياق، أدلت النائبة سينتيا زرازير لـ "إيست نيوز" بمواقف حادّة، اعتبرت أنّ "موضوع مركز إيواء النازحين في الكرنتينا موضوع شائك"، وتساءلت عن جدوى "وضع بيئتين في مواجهة بعضهما البعض"، في ظلّ حساسية المنطقة التي تضرّرت سابقاً من انفجار مرفأ بيروت ولم تأخذ حقها في القضاء. كما شدّدت على "ضرورة الالتزام بالقوانين والأنظمة المرعية الإجراء للنازحين في أماكن تواجدهم، مُحذّرة من شبهات تحيط ببعض النازحين الذين يرفضون التسجيل الرسمي تحت حجّة "النومة بالخيمة عالطريق اريحلنا"، وختمت بتحميل “حزب الله” مسؤولية جرّ البلاد إلى الحرب العبثية. وقالت "هذا سببه العدلة المنقوصة الموجودة وطريقة الكيل بمكيالين والسلاح المتفلت الذي يحكم البلد".
وفي الشق الإنساني، أكّدت زرازير أنّنا "نُرحّب بالنازحين الذين يحترمون القانون ونضعهم في رموش أعيننا".

في المُقابل، برز موقف رسمي يدعو إلى التهدئة وعدم التهويل. فقد أكّد نائب رئيس الحكومة طارق متري في تصريحات إعلامية أنّ “التهويل بهذا الموضوع في غير محلّه”، مُشيراً إلى أنّه تم عقد اجتماع مع نواب دائرة بيروت الأولى مع غرفة وحدة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء لشرح حقيقة ما يجري، موضحاً أنّ المركز “لم تُحدَّد وجهة استعماله بعد”، وأن قدرته الاستيعابية “لن تتجاوز 400 شخص”.

وفي الإطار نفسه، أكّد محافظ بيروت مروان عبود في حديث لـ “إيست نيوز” أنّ "العمل يندرج في إطار اجتماعي إنساني بحتّ"، مُشيراً إلى الاكتفاء بما ورد في بيان وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السراي الحكومي.
وكانت وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء قد أوضحت، في بيان رسمي، أنّ “كل ما يُشاع حول الموقع الذي يتم تجهيزه في الكرنتينا عارٍ عن الصحة”، مؤكدة أنّه “إجراء احتياطي وليس للاستخدام الفوري، ولم تُحدَّد وجهة استعماله بعد”.
وشدّد البيان على أنّ "الموقع يقع خارج نطاق مرفأ بيروت ولا يؤثر على سير العمل فيه، كما يبعد نحو كيلومتر واحد عن الأحياء السكنية"، لافتاً إلى أنّ "أي استخدام مُستقبلي له سيواكبه اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على السلامة العامّة والعلاقة مع المجتمع المحلي، تحت إشراف الجيش والقوى الأمنية".
كما دعت الوحدة إلى اعتماد خطاب مسؤول بعيداً عن “التضليل والتهويل”، بما يحفظ المصلحة العامّة والوحدة الوطنية.

وفي تصريح لـ "إيست نيوز" قال عضو بلدية بيروت د. سعيد حديفه: 
"الموقع المُقترح لإيواء النازحين قرب محيط أسواق السمك في الكرنتينا والأسواق الاستهلاكية يثير إشكالات متعدّدة على الصعيدين الإقليمي والمناطقي، إضافةً إلى الأبعاد السياسية، مشيراً إلى أن النقطة المُقترحة غير صالحة عملياً بسبب صعوبة التعامل مع الشحنات واللوجستيات في المكان".
وأشارَ حديقه إلى أن "الموقع لا يحقق البيئة الملائمة لإيواء الناس، مُشدّداً على أن المنطقة تحمل ذكريات مؤلمة من الحرب السابقة والمخيمات، وأن الرأي العام يعارض إعادة استحضار هذه التجارب أو ربطها بالنزوح الحالي".
وأضافَ أن "البدائل المُتاحة أفضل بكثير، مثل المدينة الرياضية التي تتّسع لآلاف الأشخاص أو أرض بلدية في شويفات بمساحة 55 ألف متر مربع، مُعتبراً أن "هذه المواقع أكثر أماناً وفعالية لإيواء النازحين من وضعهم في أماكن غير مجهزة وتحت حرارة الشمس".
وخَتَمَ حديفه تصريحه بالقول: "الأفضل ترك هذا الموقع جانباً أو استخدامه لأغراض أخرى لا علاقة لها بإيواء النازحين".

وفي تصريح آخر لـ "إيست نيوز" قالَ عضو بلدية بيروت السيّد تيدي بطحيش: 
"لم تتوقف بلدية بيروت عن اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لمواكبة الوضع الإنساني للنازحين في المدينة. عقدنا جلسات مفتوحة لمجلس البلدية، وأقرّينا مُساعدات مالية بقيمة 300,000 دولار، وأنشأنا غرفة طوارئ لمتابعة سلامة النازحين. كما فتحنا أكثر من 120 مركز إيواء، وأبقينا فوج الإطفاء والحرس البلدي في جهوزية تامة لضمان سلامة الجميع. نحن نحافظ على خط تواصل مباشر مع القوى الأمنية والجهات المختصة، ورئيس الحكومة ووزير الداخلية، كما نقوم بجولات ميدانية لتأمين المُستلزمات والإرشادات اللازمة لمراكز الإيواء. بالإضافة إلى ذلك، خصصنا مواقف البلدية وبعض الأراضي الخاصة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من السيارات، تفادياً للركن العشوائي في الشوارع".
وأضافَ بطحيش: "بيروت مدينة ترحب بكل الناس، إلا أنّ الضغط الكبير على البنية التحتية جعل العاصمة عاجزة عن استيعاب المزيد من النازحين. مراكز الإيواء ممتلئة ولم تعد توفّر مُتطلّبات الحياة الأساسية بشكل مريح وآمن، لذا نحن نطالب الحكومة بإيجاد مراكز إيواء خارج نطاق العاصمة".

في المُقابل، تتصاعد مخاوف أهالي الكرنتينا في ظلّ غياب خطة واضحة، وسط تحذيرات من انزلاق الخطاب نحو توتّر طائفي.

وبين الهواجس المحليّة والواجب الإنساني، يبقى التحدّي في إدارة شفافة توازن بين الطرفين. فهل تنجح الدولة في احتواء الملف، أم يتحوّل إلى أزمة جديدة تُعمّق الانقسام؟
المنشورات ذات الصلة