بقلم: جاكي خوري
في العام 1982 اطلقت اسرائيل عملية “سلامة الجليل” ووضعت لها الاهداف التالية: وقف اطلاق صواريخ الكاتيوشا لـ م.ت.ف من لبنان، دفع المنظمة نحو الشمال الى ما بعد نهر الليطاني، خلق واقع سياسي يسمح بالتوقيع على اتفاق سلام مع لبنان. عسكريا تحققت بعض الاهداف، حيث تم طرد م.ت.ف من لبنان وانتقلت قيادتها الى تونس، لكن الواقع الذي ظهر بعد ذلك ابرز كيف يمكن لانتصار تكتيكي أن يتحول الى فشل استراتيجي.
بدلا من م.ت.ف ظهر تنظيم جديد هو حزب الله. تلقى الحزب التشجيع والدعم من ايران، واسس شرعيته على فكرة مركزية واحدة وهي النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان. ونتيجة لذلك اصبح التواجد العسكري الاسرائيلي في لبنان المنصة التي نمت عليها اقوى حركة مقاومة في المنطقة. ايضا فشلت مغامرة اسرائيل السياسية. فقد تم اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، الذي اعتمدت عليه اسرائيل في الترويج لاتفاق سلام بعد فترة قصيرة من انتخابه. وبدلا من اتفاق سلام وجدت اسرائيل نفسها غارقة في مستنقع لبنان لعقدين تقريبا حتى انسحابها في العام 2000. ومنذ ذلك الحين واصل حزب الله تعزيز قوته، بدعم من ايران عسكريا وسياسيا. واستمد قوته الرئيسية من الخطاب المحلي: مقاومة الاحتلال. وبلغت ذروة قوته في حرب 2006، التي قدمها كانجاز تاريخي: “النصر بالصمود” في وجه اسرائيل. وقد رسخ رئيسه حسن نصر الله مبدأ “المقاومة في الخطاب اللبناني والعربي تقوم على شعار الشعب والجيش والمقاومة”، ليقدم صيغة يكون فيها الحزب جزء من آلية لحماية لبنان وليس خصم للجيش ولدولة لبنان.
الآن بعد مرور عشرين سنة على تلك الحرب، تعود اسرائيل الى عملية برية واسعة في جنوب لبنان، ولكن الخطاب تغير. فخلافا للعام 2006 عندما كان الحديث يدور عن عمل محدود، تسمع الان اصوات تدعو الى بقاء طويل في لبنان والاستيلاء على اراضي وربما حتى اقامة منطقة عازلة. فرواية لبنان تدور حول الاحتلال، حتى لو كان جزئيا أو مؤقتا. وقد يصبح هذا الواقع ارض خصبة من جديد لكل من يتبنى نظرية المقاومة. ويعلمنا التاريخ بانه طالما ان الاحتلال قائم فستظل هناك دائما منظمة تملأ الفراغ وترفع هذه الراية.
ايضا تحتاج اسرائيل الى استخلاص الدروس على الصعيد السياسي. ان اضعاف الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، واهانتهما من خلال احتلال اراضي في عهدهما وقمع أي خيار سياسي في مواجهة الرأي العام في لبنان المتعب من الحروب، لن يخدم مصالح اسرائيل على المدى البعيد. ففي 1982، استقبل بعض اللبنانيون الجيش الاسرائيلي بالورود والارز، بل حتى الجيش اللبناني ارسل ضباط لاقامة اتصالات مع اسرائيل. الان الواقع مختلف كليا. لن تنثر الورود في القرى المدمرة في الجنوب، ولا يوجد رئيس في البلاد يوقع اتفاق بدون انسحاب اسرائيلي كامل وبدون ترتيب اقليمي شامل ياخذ الفلسطينيين في الحسبان. لذلك، الى جانب التحرك العسكري، يجب على اسرائيل أن تقدم رؤية سياسية واضحة، وان تستخدم مظلة دبلوماسية دولية. مطلوب بذل جهد لتقوية الجيش اللبناني كي يصبح قوة سيادية في الجنوب. وقبل كل شيء مطلوب وضع جدول زمني واضح للانسحاب.
بدون هذا العنصر يحتمل ان يعيد التاريخ نفسه. فبدلا من كسر حلقة المقاومة، قد تعود اسرائيل وتعد الظروف لحزب الله كي ينمو ويتقوى. وعندها، مثلما في مرات سابقة، قد يستغرق الامر سنوات وقد يسقط الكثير من الضحايا في الطرفين من اجل التوصل الى نفس النتيجة: انه في لبنان ايضا لا يوجد بديل عن التسوية السياسية.