عاجل:

حين تُفتح الأبواب للناس: وحين تُغلق في وجوههم

  • ٥٤
في الأزمات الكبرى، لا تُقاس قيمة المؤسّسات الدينية أو المسؤولين بما يصدر عنهم من بيانات، بل بما يفعلونه على الأرض. فحين يُهجَّر الناس من بيوتهم وتُهدَّد قراهم تحت القصف، تصبح الأفعال البسيطة، كأن يحمل مسؤول صندوق مساعدات أو يقف إلى جانب الأهالي، أكثر تأثيراً من آلاف الكلمات.

في الجنوب اللبناني، حيث تعيش قرى بكاملها تحت وطأة الخوف والدمار، برز مشهد إنساني لافت. فقد اختار السفير البابوي في لبنان، باولو بورجيا، أن يكون بين أبناء رعيته في القرى المُتضرّرة، لا في زيارة بروتوكولية تقليدية، بل في حضور ميداني مباشر.

هناك، بين الأهالي الذين يعيشون القلق اليومي على بيوتهم ومصيرهم، لم يكتفِ الدبلوماسي الفاتيكاني بالكلمات أو الصور الرسمية، بل نزل إلى الميدان، حتى في ظلّ القصف، ليشارك في نقل المساعدات بيديه إلى أبناء القرى المسيحية، ويقف إلى جانبهم في لحظة كانوا فيها بأمسّ الحاجة إلى الدعم.

ذلك المشهد، على بساطته، حمل رسالة رمزية عميقة. فحين يختار مسؤول أن يترك المكاتب وأن يكون بين الناس في محنتهم، فإنه يقدّم نموذجاً مختلفاً لمعنى المسؤولية. 

في المُقابل، أثار موقف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، علي الخطيب، نقاشاً واسعاً في الأوساط اللبنانية، بعدما دعا النازحين إلى التوجه إلى الدولة لتحمّل مسؤولياتها.

وبغضّ النظر عن خلفيات هذا الموقف أو تفسيراته، فقد قرأ كثيرون الرسالة بطريقة مختلفة، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها مناطق عديدة. بالنسبة إلى هؤلاء، بدا وكأن المؤسسة الدينية ترفع مسؤوليتها عن بيئتها الاجتماعية في واحدة من أصعب اللحظات.

وهنا تظهر المُفارقة التي أثارت الجدل: فبينما اختار البعض النزول إلى الميدان، بدا أن آخرين يكتفون بإحالة الناس إلى الدولة، حتى في وقت يشعر فيه كثير من اللبنانيين بأن مؤسسات الدولة نفسها تعاني من عجز كبير.

وفي تعليق على هذا النقاش، قالَ رجل دين لبناني بارز فضّل عدم الكشف عن اسمه لـ "إيست نيوز":

"في زمن المحن، لا يملك رجال الدين ترف الوقوف على الحياد أو الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الدولة. الدور التاريخي للمؤسسات الدينية في لبنان كان دائماً أن تكون ملاذاً للناس عندما تضيق بهم السبل، وأن تفتح أبوابها قبل أي مؤسسة أخرى."

وأضافَ: "حين يرى الناس مسؤولاً دينياً ينزل إلى الميدان ويحمل المُساعدات بيديه، فإن الرسالة تصل أقوى من ألف خطاب. وفي المقابل، فإن أي موقف يُفهم على أنه تنصّل من المسؤولية يترك جرحاً عميقاً في الوعي الشعبي، لأن الناس في الأزمات لا يبحثون عن تبريرات، بل عمّن يقف إلى جانبهم."

وخَتَمَ بالقول: "لبنان اليوم أمام اختبار أخلاقي حقيقي، ليس فقط للسياسيين بل أيضاً للمرجعيات الدينية. فإما أن تكون هذه المؤسسات بيتاً مفتوحاً للناس في الشدائد، وإما أن تفقد تدريجياً ثقة المجتمع الذي نشأت لخدمته."

في بلد أنهكته الأزمات المُتلاحقة، لم يعد اللبنانيون ينتظرون الكثير من الخطب ولا من البيانات. ما يبحثون عنه اليوم هو موقف إنساني صادق، وإشارة بسيطة تؤكّد لهم أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة المصير.

فحين ينزل مسؤول إلى الميدان حاملاً المُساعدات بيديه، تتحول التضحية إلى رسالة حيّة أقوى من أي خطاب. أمّا حين تُغلق الأبواب في وجه الناس في أصعب لحظاتهم، فإن شعور الخذلان يتعمّق أكثر في بلد اعتاد أبناؤه أن يُتركوا لمصيرهم كلما اشتدت الأزمات.

وبين من اختار أن يكون بين الناس في القرى المنكوبة، ومن اكتفى بإحالتهم إلى الدولة، سيشهد التاريخ أن في زمن المحن كان هناك من يفتح أبوابه للناس، ومن يتركهم خلف الأبواب المُغلقة.
المنشورات ذات الصلة