عاجل:

لبنان بين رهانات السياسة ووقائع الميدان: من يتحمّل مسؤولية ما حدث؟

  • ٧٤
راهنت الدولة اللبنانية، في مرحلة حساسة من التصعيد الإقليمي، على مسار المفاوضات الإيرانية–الأميركية. كان الرهان يقوم على فرضية مفادها أن أي تفاهم محتمل بين الطرفين قد ينعكس تلقائيًا على الساحة اللبنانية، فيُبعدها عن مسار المواجهة مع إسرائيل. لكن الضربات التي وقعت لاحقًا أتت بما لا تشتهي هذه الحسابات.

يبدو أن لبنان، مرة جديدة، وقع في فخ انتظار التسويات الخارجية بدل المبادرة إلى تحصين ساحته الداخلية. فقد بُنيت حسابات السلطة على أن التسوية الكبرى في الإقليم قد تؤدي تلقائيًا إلى تحييد لبنان، فيما بقيت الأسئلة الجوهرية في الداخل من دون إجابات واضحة.

فجوهر اتفاق وقف إطلاق النار الذي طُرح بعد حرب 2024 يقوم أساسًا على مبدأ واضح: حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وترسيخ سيادة الدولة بحيث لا يكون القرار الأمني والعسكري رهينة لأي حزب أو مرتبطًا بأي دولة خارجية. إلا أن هذه المسألة بقيت في إطار النقاش السياسي أكثر منها في إطار التنفيذ الفعلي، ما أبقى الساحة اللبنانية عرضة للتقلبات الإقليمية.

وقبل اندلاع المواجهة الأخيرة التي بدأت في آذار الجاري، كانت هناك أصوات شعبية وإعلامية تتحدث عن احتمال “ضربة قريبة”. وهذا يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: من أين استقى الشارع هذه المؤشرات؟ وهل كانت الدولة تملك معطيات مماثلة حول اقتراب التصعيد؟ وإن كانت كذلك، لماذا لم تُصارح الرأي العام أو تُهيئ الأرضية السياسية والشعبية لمثل هذا السيناريو؟

هذه الأسئلة لا تأتي في إطار المُزايدة، بل في إطار البحث عن آليات إدارة الأزمات في بلد يعيش في قلب صراعات إقليمية معقدة. فالمصارحة، في مثل هذه الظروف، قد تكون أحيانًا جزءًا من إدارة المخاطر لا عاملًا لإضعاف هيبة الدولة.

اليوم، وبعد جولة التصعيد الأخيرة، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: كيف سيُرسم المشهد اللبناني في المرحلة المقبلة؟

بحسب مصادر دبلوماسية غربيّة تحدثت إلى "إيست نيوز"، فإن "المجتمع الدولي ما زال يضع أولوية واضحة تتمثل في تثبيت سيادة الدولة اللبنانية وتعزيز دور مؤسّساتها الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، باعتباره الجهة الوحيدة المخوّلة حمل السلاح وإدارة الأمن الوطني". وتشير هذه المصادر إلى أن استمرار تداخل الساحات الإقليمية مع الواقع اللبناني قد يعرّض البلاد لضغوط سياسية متزايدة في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، تحذّر أوساط دبلوماسية من أن "لبنان قد يجد نفسه أمام سيناريوهات إقليمية أكثر تعقيدًا إذا لم يتم تحصين قراره السيادي داخليًا وفصل مساره عن الصراعات المحيطة به، كإحتمالية تلزيمه من قبل المجتمع الدولي إلى الدولة السورية..."
أما على المستوى العسكري، فتبرز في النقاشات الداخلية مسألة تحميل قيادة الجيش مسؤوليات كبيرة في هذه المرحلة، كان يجب فرضها على القيادات المتوالية سابقًا. غير أن كثيرين يرون أن المؤسسة العسكرية، التي تمثل أحد أعمدة الاستقرار في البلاد، تعمل ضمن ظروف سياسية وأمنية شديدة التعقيد، وأن قوة الجيش اللبناني تاريخيًا تستند إلى عقيدته الوطنية واحتضانه الشعبي، وهو ما جعله على الدوام عنصر توازن في لحظات الأزمات.

في المحصلة، يبدو لبنان مرة أخرى أمام مفترق طرق: بين انتظار تسويات الخارج، أو إعادة تثبيت قواعد الدولة القادرة على حماية قرارها السيادي وإدارة أزماتها من الداخل.

وبين الخيارين، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة النظام السياسي اللبناني على الانتقال من سياسة الرهان إلى سياسة القرار.
المنشورات ذات الصلة