عاجل:

من الخميني إلى الخامنئي: الأب ثم الإبن/ رامي الأحمدية

  • ١٧

زخر لبنان ومازال بمرجعيات دينية وعلمية شيعية وازنة، تتفوّق في تحصيلها الفقهي ودرجتها الاجتهادية على شخصيات نافذة في نظام الثورة الإسلامية في طهران، إلا أن ربط شيعة لبنان بمبدأ 'ولاية الفقيه' لم يكن نتاج تفوق علمي بقدر ما كان ثمرة هندسة سياسية وعسكرية بدأت منذ مطلع الثمانينيات.

فبينما يمتلك الفقيه اللبناني استقلالية تاريخية مستمدّة من مدرسة جبل عامل والنجف، نجحت إيران في تحويل التبعية من 'تقليد فقهي' اختياري إلى 'التزام تنظيمي' شامل، جعل من القرار اللبناني صدىً لطموحات إقليمية تُصاغ في أروقة طهران، متجاوزةً بذلك كبار علماء لبنان، فكيف بدأت فكرة توريد الثورة الإسلامية في إيران وأين نقف اليوم؟


من قصر الشاه إلى بيت الرهبر: تحالف الثورة وإقصاء الشركاء

سقط شاه إيران، حليف إسرائيل الأول في المنطقة، عام 1979 نتيجة عوامل عدة، كان أبرزها التحالف الواسع ضده من رجال الدين، واليساريين، والقوميين، الطبقة الوسطى والطلاب. ليعود الإمام الخميني من منفاه في فبراير من العام نفسه، ويعلن ويقود الجمهورية الإسلامية في إيران بناءً على مبدأ "ولاية الفقيه" الذي يمنح رجل الدين الأعلى سلطة سياسية ودينية واسعة، ويتم اختياره من قبل مجلس الخبراء المُنتخب من الشعب الإيراني والذي يضم رجال دين فقهاء على أن يكون مرجع تقليد ديني.

تصفية الحسابات: من بني صدر إلى عزل الخليفة المنتظر

مع انتخاب أبي الحسن بني صدر، المُقرّب من الخميني، رئيساً بين عامي 1980 و1981، بدأ الصراع بينه وبين حزب "الجمهورية الاسلامية" ورجال الدين الثوريين، فعُزل من الرئاسة ليهرب إلى فرنسا ويبقى معارضاً للنظام الجديد حتى وفاته عام 2021.
تلا ذلك قمع المعارضين الثوريين مثل "مجاهدي خلق" والإسلاميين المعارضين لهيمنة رجال الدين، قبل أن تتم تصفية القوى اليسارية بين عامي 1981 و1983، ليثبّت رجال الدين حكمهم، لاسيما أثناء الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988). وفي عام 1989 (وقبيل وفاة الخميني)، عُزل المرجع حسين علي منتظري، الذي كان من أقرب المقربين للخميني وخليفته المتوقع، لانتقاده توسع الأجهزة الأمنية وإعدام آلاف السجناء السياسيين.

التحوّل الكبير: تعديل الدستور وهندسة الخلافة الأولى

مع وفاة الخميني في يونيو 1989، وبدعم من هاشمي رفسنجاني -الذي كان أحد أبرز صانعي القرار- وبتعديل دستوري، أُلغي شرط أن يكون المرشد مرجع تقليد، وأصبح يكفي أن يكون فقيهاً مجتهداً، انتُخب علي خامنئي مرشداً أعلى بالرغم من أنه لم يكن "مرجعاً دينياً" كبيراً حينها، ليحل محل منتظري المعزول.

بدأت أسماء عدة تبرز لخلافة علي خامنئي دون أن تكون بالضرورة مرجع تقليد، كهاشمي رفسنجاني الذي ضعف نفوذه نتيجة صدامه مع التيار المتشدد قبل رحيله عام 2017، والمرجع الوسطي محمود شاهرودي الذي توفي عام 2018، وإبراهيم رئيسي "المتشدد" الذي كان الأوفر حظاً قبل مصرعه في حادث تحطم مروحية عام 2024. أما صادق لاريجاني، فقد أُضعف موقفه بعد اتهامات بالفساد وصراعات سياسية أزاحته عن دائرة المنافسة.

مثلث السلطة: الحرس الثوري، اقتصاد الظل، وبيت الرهبر

مع غياب هؤلاء، برزت أسماء مثل علي رضا أعرافي، الذي يفتقر للخبرة السياسية رغم رئاسته للحوزة العلمية، وحسن الخميني "الحفيد الإصلاحي" المستبعد سياسياً، ومحمد مهدي مير باقري الراديكالي الذي يُنظر إليه كداعم لمسار مجتبى خامنئي أكثر من كونه منافساً. ليقع الاختيار على مجتبى خامنئي، المدعوم بقوة من المؤسسات العسكرية والأمنية؛ كونه عمل لسنوات كحلقة وصلٍ استراتيجية بين الحرس الثوري ووالده، والمشرف الخفي على خيوط 'اقتصاد الظل'، والحارس الأمين لـ 'بيت الرهبر' (مكتب المرشد) لأكثر من عقدين."

لبنان خارج الحسابات

وسط هذه التحوّلات، يبدو أن لبنان بقي خارج الحسابات الإيرانية عند رسم مستقبل القيادة في طهران، رغم أن بعض القوى الشيعية في البلاد ما زالت تواصل تبعية سياسية عميقة لإيران. فالقرار في طهران يُصنع داخل المؤسسات الإيرانية نفسها، وليس في العواصم التي تدور في فلكها، وتعتمد على المرجعية السياسية والعسكرية أكثر منها الفقهية.

ومع ذلك، يدفع لبنان أثماناً باهظة لهذه العلاقة، حيث سقط شهداء لبنانيون في صراعات إقليمية لا ترتبط مباشرة بمصالح الدولة اللبنانية، فيما بقيت المساءلة الحقيقية غائبة.

الرهان على المستقبل: هل يصمد 'التوريث' أمام عواصف الداخل وضغوط الخارج؟

تواجه الجمهورية الإسلامية اليوم التهديد الأكبر منذ تأسيسها في ظل المواجهة القائمة مع إسرائيل والولايات المتحدة. فهل ينجح المرشد الجديد في تخطي التحديات الخارجية، كما نجح والده في احتواء الانتفاضات الداخلية (1999، 2009، 2017، 2019، وانتفاضة مهسا أميني 2022، وصولاً إلى احتجاجات 2026)؟ أم أن التاريخ سيكتب الفصل الأخير لثورة قامت ضد نظام ملكي وراثي، لتنتهي بوقوعها في فخ التوريث ذاته؟

وهل يستطيع لبنان استعادة قراره الوطني المستقل، أم سيبقى جزءاً من توازنات إقليمية تتجاوز مصالحه المباشرة؟

المنشورات ذات الصلة