تُراهن الولايات المتحدة واسرائيل على القوة العسكرية لتحققا في حربهما على إيران ما عجزت عنه المفاوضات الديبلوماسية.
كما يعكس تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن بلاده "لن تتوقف حتى يتم إلحاق الهزيمة الكاملة بالعدو" مُقاربة تقوم على فرض ما يصفه بـ"السلام بالقوة"، أي إخضاع الخصم عسكرياً تمهيداً لفرض شروط سياسية جديدة.
ويسعى ترامب في جوهر هذه المقاربة، إلى إنهاء ملف الشرق الأوسط بطريقة تضمن تفوق الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل، بما يسمح لواشنطن بالتركيز على التحديات الاستراتيجية الأكبر، وعلى رأسها الصعود الاقتصادي والعسكري للصين ومنافستها وروسيا للولايات المتحدة في رسم ملامح النظام الدولي المُقبل.
فالولايات المتحدة تدرك أن العالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية، لكنها تحاول قدر الإمكان الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة أو على الأقل ضمان عدم المساس بمصالحها الأساسية.
ضمن هذا السياق، تحتل إسرائيل موقعاً محورياً في الحسابات الأميركية. فتعزيز تفوقها الإقليمي يشكل جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر من مرة عن رؤية تعتبر أن إسرائيل يجب أن تكون القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على فرض توازنات المنطقة، وهو ما يفسر الحديث المتكرر عن مشاريع توسعية مثل "إسرائيل الكبرى"، التي تثير قلق العديد من دول المنطقة.
لكن الرهان على الحسم السريع يبدو أنه لم يتحقق كما خُطط له. فالتطورات الميدانية أظهرت أن إيران كانت أكثر استعداداً مما توقعته إدارة ترامب، وفق ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عسكريين أميركيين. فبدلاً من انهيار سريع للنظام، اتجهت المواجهة نحو حرب استنزاف عبر استهداف ايران القواعد الأميركية في المنطقة إضافة إلى إسرائيل.
هذا الواقع وضع ترامب أمام تحدٍ لا يفضله، فالحروب الطويلة ليست الخيار المفضل له لا سياسياً ولا اقتصادياً، خصوصاً مع تأثير الحرب على أسواق الطاقة العالمية. فقد ارتفعت أسعار النفط في بداية التصعيد إلى نحو 120 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع إلى ما دون 90 دولاراً، بعد إطلاق تصريحات تؤكد أن الحرب الإيرانية "انتهت إلى حد كبير"، ويهدف هذا التحرك إلى تهدئة الأسواق وتخفيف مخاوف النقص بعد ارتفاع قياسي في أسعار البنزين والديزل داخل الولايات المتحدة.
كما أثار ترامب إمكانية السماح ببعض الإعفاءات على مبيعات النفط من قبل الكيانات الخاضعة للعقوبات، وخاصة روسيا، للمساعدة في وقف اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وفي محاولة للسيطرة على أسعار الوقود العالمية المرتفعة.
في هذا الإطار، تبدو الإدارة الأميركية حريصة على تحقيق توازن دقيق بين استمرار الضغط العسكري على إيران ومنع انفلات أسواق الطاقة. فارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة يشكل تحدياً سياسياً واقتصادياً كبيراً، خصوصاً في ظل حساسية الرأي العام الأميركي تجاه مثل هذه الملفات.
هذا الوضع المستجد على مستوى امدادات واسعار النفط دفع بترامب للاتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وناقش معه ملف ايران، وطرح بوتين مع ترامب عدة مقترحات لإنهاء الحرب في إيران بسرعة كما اعلن الكرملين.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت استراتيجية "السلام بالقوة" قادرة فعلاً على تحقيق أهدافها. فالتاريخ الحديث للمنطقة يظهر أن الحسم العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار سياسي دائم. بل قد يفتح الباب أمام صراعات طويلة ومعقدة يصعب التحكم بمآلاتها.
وعليه، يبدو أن ترامب يسير في مسارين متوازيين: الأول عسكري يهدف إلى تحقيق مكاسب ميدانية ضد إيران والثاني اقتصادي يركز على منع اضطراب إمدادات النفط العالمية.
غير أن السؤال الأبرز يبقى: هل ستتمكّن القوة العسكرية من فرض ما يسميه ترامب "السلام بالقوة"، أم أن صمود إيران سيدفع الأطراف مُجدداً إلى طاولة المفاوضات بحثاً عن اتفاق جديد ينهي دوامة الصراع في الشرق الأوسط؟
عبدالله عماشة
×