عاجل:

سلطة متأخرة: وبلد يدفع الثمن..

  • ٧٧
مرّة جديدة، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تصل دائماً بعد فوات الأوان. قرارات تتأخر، مواقف تتبدّل، ونقاشات سياسية تدور في حلقة مفرغة، فيما يدفع اللبنانيون وحدهم كلفة الحرب والانهيار.

في خضم هذه الفوضى السياسية، تتأخر السلطة في اتخاذ قرارات كان يفترض أن تُتخذ منذ زمن. رئيس المجلس النيابي نبيه بري يرفع صوته اليوم بمواقف كان اللبنانيون ينتظرونها منذ بداية الأزمة لا بل قبل، والحكومة تتصرف وكأنها تلاحق الأحداث لا تقودها. أما المواطن، فقد اعتاد أن يسمع التصريحات بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل.

وفي وقت تعيش البلاد واحدة من أصعب مراحلها، تنشغل السلطة بجدل آخر: الانتخابات. مرة يُطرح التمديد، ومرة تُفتح شهية الحديث عن انتخابات جديدة، ومرة أخرى تُعاد الحسابات لأن الأرقام السياسية لا تتطابق مع مصالح القوى المتنافسة. وبين تمديد محتمل وانتخابات مؤجلة أو مشكوك في توقيتها، يبدو أن همّ السلطة الأول ليس إنقاذ البلد، بل إدارة توازناتها الخاصة.

في المُقابل، يأتي موقف حزب الله ليزيد المشهد تعقيداً، بعدما أعلن رفضه أن يتولى أي طرف التفاوض نيابة عنه حول وقف الحرب، مؤكداً أنه سيكون المفاوض الأول عندما ينضج المسار التفاوضي، باعتبار أن الاتفاق السابق لم يكن مثالياً. لكن هذا الموقف يفتح بدوره باباً واسعاً من الأسئلة: من يقرر الحرب والسلم في بلد مثل لبنان؟ ومن يتحمل كلفة القرارات التي ترسم مصير ملايين اللبنانيين؟
فالواقع أن الحرب، بكل ما حملته من خسائر ونزوح وخوف يومي، لم تصب طرفاً دون آخر. لقد استنزفت الجميع: الاقتصاد المنهك أصلاً، العائلات التي فقدت بيوتها أو أعمالها، واللبنانيين الذين يعيشون على حافة القلق من مستقبل لا تبدو ملامحه واضحة.

المشكلة لم تعد فقط في الحرب نفسها، بل في طريقة إدارة الدولة للأزمة. قرارات تأتي متأخرة، مواقف تُقال بعد وقوع الكارثة، وسلطة تبدو عاجزة عن الإمساك بزمام المبادرة. في مثل هذه الظروف، لا يكفي تبادل الاتهامات أو رفع السقوف السياسية، لأن الناس لم تعد تبحث عن خطابات، بل عن دولة قادرة على حماية ما تبقى من استقرارها.

ما يريده اللبنانيون اليوم ليس سجالاً جديداً بين القوى السياسية، بل وضوحاً في المسؤوليات وجرأة في القرارات. فالدول لا تُدار بردّات الفعل، ولا يمكن لبلد يعيش كل هذا الضغط أن يبقى رهينة حسابات السلطة وترددها.

لبنان اليوم أمام لحظة صعبة، وربما حاسمة. والسؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين بصوت عالٍ: هل ستبقى السلطة تصل دائماً بعد فوات الأوان، أم أن الوقت حان لقرارات تُتخذ قبل أن يدفع البلد ثمناً أكبر؟

ريجينا الأحمدية
المنشورات ذات الصلة