في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام، يواصل عدد كبير من رجال الأعمال والمتمولين وأصحاب النفوذ السياسي من الطائفة الشيعية توافدهم اليومي إلى عين التينة، في وقت تتفاقم فيه مأساة عشرات آلاف النازحين من أبناء الجنوب والبقاع بفعل الحرب.
والمفارقة لا تكمن فقط في انتظام هذه اللقاءات والزيارات، بل أيضاً في نمط الحياة الذي اختاره هؤلاء منذ اندلاع المواجهات، إذ فضّلوا الإقامة في فنادق فاخرة مطلة على البحر أو في شقق مفروشة جاهزة، فيما غادر بعضهم مع عائلاتهم على متن طائرات خاصة إلى الخارج. وفي موازاة ذلك، لم تتأثر برامج الإفطار والسحور الباذخة التي اعتادوا عليها، حيث يواصلون نمطهم المترف في الإنفاق من ثروات جُمعت على حساب أبناء الطائفة بعدما صادروا القرار والتمثيل والمواقع، بينما يبيت أبناء بيئتهم السياسية والاجتماعية على الأرصفة أو في مراكز إيواء مكتظة في بيروت ومناطق لبنانية لا تتوافر فيها أدنى مقومات العيش اللائق والمحتشم.
هذا التباين الصارخ بين رفاهية القلة ومعاناة الكثرة يثير تساؤلات محرجة حول أولويات من يفترض أنهم يشكّلون رافعة اقتصادية ومالية لبيئتهم. ففي الوقت الذي تتناقل فيه وسائل الإعلام صور العائلات التي هجّرتها الغارات من منازلها في القرى الحدودية وأطراف البقاع، وهي تبحث عن بطانية أو دواء أو مأوى يحمي أطفالها، تبدو دوائر النفوذ منشغلة بتأمين إقامات مريحة وخدمات فندقية راقية، بعيداً عن مبادرات واضحة وعلنية تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
ويزداد الاستغراب عند مقارنة هذا الواقع بخطاب التعبئة والصمود الذي يتكرر في المناسبات السياسية. فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين تتحول هذه الشعارات إلى أفعال ملموسة؟ وأين دور رؤوس الأموال في احتضان الناس الذين خسروا منازلهم ومصادر رزقهم؟ إن الاكتفاء بالحضور السياسي اليومي، من دون إطلاق مبادرات إغاثية فعلية أو تخصيص موارد واضحة لإيواء النازحين وتأمين الحد الأدنى من كرامتهم الإنسانية، يطرح علامات استفهام كبيرة حول مسؤولية النخب الاقتصادية والسياسية تجاه مجتمعها.
فالحروب لا تختبر فقط صلابة الجبهات العسكرية، بل تكشف أيضاً صدقية التضامن داخل المجتمعات. وفي أوقات الشدّة، لا يكفي أن تُفتح أبواب الفنادق أمام القادرين، فيما تبقى الأرصفة الملاذ الوحيد للفقراء والمشرّدين.