عاجل:

من غرفة العمليات: شهادة إنسانية عن جرّاحٍ تجاوز حدود الطب وصنع الطمأنينة..

  • ٢٤
لم تكن فكرة الدخول إلى غرفة العمليات تفصيلاً عابراً في يوم عادي. كانت المرارة التي حملت في داخلها حصاة بقطر ثلاثة سنتيمترات، بحجم حبّة جوزة كبيرة، تختصر مرحلة كاملة من الألم الصامت والقلق المؤجل. لم يكن الألم وحده ما يثقل الجسد، بل أيضاً ذلك القلق الإنساني العميق الذي يسبق أي تدخل جراحي: أسئلة لا تنتهي، وهواجس لا يبددها سوى الثقة.

في تلك اللحظة الفاصلة بين الخوف والتسليم، كان اللقاء مع الدكتور فادي طانيوس سليلاتي، في مستشفى مار يوسف – الدورة، بداية تحوّل لم يكن طبياً فقط، بل إنسانياً أيضاً.

منذ اللحظة الأولى، لم يتعامل مع الحالة بوصفها “ملفاً طبياً”، بل بوصفها تجربة إنسانية كاملة. لم يكن صوته مرتفعاً، ولا كلماته متكلّفة، بل كان واضحاً، هادئاً، ومباشراً. شرح تفاصيل العملية كما لو أنه يزيل طبقات الخوف قبل أن يزيل العضو المريض. لم يعد الأمر مجرد استئصال مرارة بالمنظار، بل استعادة شعور بالأمان.

حين تصبح الثقة جزءاً من العلاج

من المهم أن يُقال هذا بوضوح: هذه الكلمات ليست امتناناً لامتياز خاص، ولا مديحاً مقابل خدمة مجانية. على العكس تماماً. الطبيب تقاضى أتعابه كاملة، وهذا حقه الطبيعي الذي لا نقاش فيه. فالمهنة التي تُنقذ الألم، وتُعيد الطمأنينة، وتتحمّل مسؤولية حياة إنسان، ليست عملاً عادياً، بل رسالة تتطلب علماً وسنوات من التضحية والتعب.
لكن ما يستحقّ التوقّف عنده حقاً، ليس الفعل الطبيّ بحدّ ذاته، بل ما يحيط به من إنسانية.

الطب: أكثر من إجراء تقني

في زمنٍ أصبحت فيه السرعة عنواناً لكل شيء، حتى في الطب، نادراً ما تجد طبيباً يمنحك الوقت الكافي لتشعر أنك لست رقماً. نادراً ما تجد من يدرك أن المريض لا يحتاج فقط إلى مشرط دقيق، بل إلى كلمة مُطمئنة.
الإنسانية في الطب لا تُقاس بنتيجة العملية فقط، بل بالطريقة التي يُقاد بها المريض نحو تلك النتيجة.
قبل العملية، لم يكن هناك وعدٌ مبالغ فيه، ولا تطمينات زائفة. كان هناك وضوح. وضوح يُشبه الحقيقة، لا يُخفي المخاطر، لكنّه يضعها في حجمها الواقعي. وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الاحترام. فالطبيب الذي يحترم عقل مريضه، يمنحه قوة لا تُقدّر بثمن.
وفي غرفة العمليات، حيث تتداخل التقنية مع المسؤولية، نجح التدخل الجراحي بالمنظار في إزالة المرارة والحصاة الكبيرة التي استوطنتها. انتهت العملية، لكن ما بقي لم يكن فقط أثر جراحي صغير، بل أثر إنساني أكبر.
بعد العملية، لم يكن الاهتمام إجراءً روتينياً، بل متابعة حقيقية. سؤال بسيط عن الألم. تأكيد على التعافي. حضور يُشعرك أن العملية لم تكن حدثاً عابراً في جدول مزدحم، بل مسؤولية مستمرة حتى استعادة العافية الكاملة.
قد يبدو هذا للبعض تفصيلاً صغيراً، لكنه في الحقيقة ليس كذلك. فالطب، في جوهره، ليس مجرد علم يُمارَس، بل علاقة ثقة تُبنى. وهذه الثقة لا تُفرض بالشهادات، بل تُكتسب بالسلوك.

في لبنان، حيث يواجه القطاع الصحي تحديات لا تُحصى، من نقص الموارد إلى ضغوط الواقع، يبقى الرهان الحقيقي على الأفراد الذين يختارون أن يمارسوا مهنتهم بضمير. ليس لأنهم ملزمون بذلك، بل لأنهم يؤمنون أن الإنسان يأتي أولاً.

ليست هذه شهادة لتجميل صورة، ولا محاولة لصناعة بطل. الأطباء ليسوا بحاجة إلى بطولات رمزية، لأن عملهم اليومي هو بحد ذاته مواجهة مستمرة مع الألم والخطر. لكنها شهادة حق. شهادة تجربة شخصية تؤكد أن الإنسانية، رغم كل شيء، لا تزال موجودة.

ما يبقى بعد انتهاء العملية

حين خرجت من غرفة العمليات، لم يكن الشعور مجرد راحة جسدية، بل إدراك عميق أن الطب، حين يُمارَس بإنسانية، يتحول من إجراء تقني إلى فعل طمأنينة. ربما لا يتذكر الطبيب كل مرضاه، فهذا أمر طبيعي في مهنة تعجّ بالتفاصيل.

لكن بعض المرضى يتذكّرون دائماً ذلك الطبيب الذي جعلهم يشعرون بأنهم في أيدٍ أمينة. ليس لأنه فعل المستحيل، بل لأنه فعل ما هو أبعد من الواجب: تصرّف بإنسانية.

في النهاية، قد تُنسى تفاصيل كثيرة مع مرور الوقت: مواعيد الفحوصات، تواريخ الألم، وحتى لحظة الدخول إلى غرفة العمليات. لكن ما يبقى راسخاً في الذاكرة، هو ذلك الشعور النادر بالأمان، وذلك الوجه البشوش الذي استقبل الخوف بهدوء، وودّع القلق بثقة.

شكراً د. فادي طانيوس سليلاتي… لأن حضورك لم يكن طبيّاً فقط، بل إنسانياً بامتياز، ولأن ابتسامتك كانت جزءاً صادقاً من رحلة التعافي.
المنشورات ذات الصلة