عاجل:

نصّار: صون السلطة القضائية من أي تدخلات خارجية هو الشرط الحتمي لقيام العدالة

  • ١٣

قال وزير العدل عادل نصار خلال مؤتمر نظمته وزارة العدل بعنوان: "العدالة بلا حدود: تعزيز التعاون في مواجهة الجرائم العابرة للحدود"، "نجتمع اليوم في لحظة يستعيد فيها لبنان موقعه بين الأمم. ويأتي هذا المؤتمر في سياق المسار الذي انطلق بتوقيع اتفاق التعاون مع يوروجست والاتحاد الأوروبي، وهو يواكب الخطوات المتعددة التي اتخذتها الجمهورية اللبنانية لاستعادة جميع مقوماتها كدولة قانون ومؤسسات".

أضاف: "مما لا شكّ فيه أن هذا المسار ينطوي على محطة أساسية لا غنى عنها، وهي تتمثل في إعادة حصرية استعمال القوة إلى السلطات العامة. إنها مسألة جوهرية، إذ من دونها تبقى صلاحيات الدولة مقيّدة بقوى فئوية ذات أهداف طائفية. إن مسار استعادة الدولة قد انطلق، ولن يتوقف، ولا يجوز له أن يتوقف. غير أنّ العدالة تبقى الركيزة الحاسمة في هذا البناء. وقد أصاب إميل زولا حين قال: «إن الحقيقة والعدالة سيّدتان، لأنهما وحدهما تضمنان عظمة الأمم». ومن هنا، فإن تمكين السلطة القضائية، وصونها من أي تدخلات خارجية، هو الشرط الحتمي لقيام العدالة. إنه شرط حتمي أولًا لأن استقلال القضاء هو المدخل الطبيعي لتحقيق العدالة. وهو شرط حتمي ثانيًا لأن العدالة هي الجسر الذي تُبنى عليه الثقة بين المواطن والدولة. وهو شرط حتمي أخيرًا لأن قيام دولة القانون أمام الشعب وأمام العالم لا يتحقق إلا بقضاء مستقل فاعل".

وتابع:"لقد أدركت البشرية، بعد أن بلغت أهوال الحرب العالمية الثانية وحشية غير مسبوقة، ضرورة العمل على جعل هذا العالم أكثر إنسانية. وتسارع هذا المسار مع نهاية الحرب الباردة؛ فأُنشئت منظمات دولية، وتوسّعت أخرى، وتعزّزت التكتلات الإقليمية، وتنامت أواصر التعاون الدولي، وأضحى الدفاع عن البيئة قضية مشتركة. وفي هذا الإطار، شكّل الاتحاد الأوروبي نموذجًا للتقدم الإنساني والسعي إلى السلام. وساد اعتقاد بأن لغة السلاح أصبحت من مخلفات الماضي، وأن مسيرة الأرض باتت محكومة بإرادة التقدم. غير أنّنا نكتشف اليوم أن تلك النشوة لم تكن تعبيرًا عن تطور راسخ. فالتطرف، ومنطق القوة، وتغليب المصالح الضيقة، تشكّل عناصر تستطيع، في لحظة واحدة، إيقاف ما ظننّاه مسارًا حتميًا نحو مستقبل أفضل. وكانت الصدمة قاسية.

واشار الى ان لبنان قد عاش عقودًا طويلة في دوّامة الصراعات. وكان العالم ينظر أحيانًا بلا اكتراث إلى ما اعتبره مأساة بعيدة عنه، فإذا به يكتشف أن لا أحد بمنأى عن الجنون والجريمة. قد تظلّ الفظائع محفورة في ذاكرة أجيال قليلة، غير أن الانزلاق بعيدًا عن صفحات تاريخنا الأكثر ظلمةً يهدد، للأسف، بإبعادنا أيضًا عن ترسيخ حكم القانون الدولي، لنجد أنفسنا، كالسائرين نيامًا، في قبضة عنف أعمى. ويبدو، للأسف، أن منطق القوة والرعب يحاول إعادة كتابة التاريخ.

وقال: "يمكننا أن نستسلم وننحني أمام الأيديولوجيات الهدامة. يمكننا أن نبرّر الانحرافات، وأن نختلق الأعذار حين تُداس سيادة الحدود تحت جنازير الدبابات. ويمكننا أن نتذرع بواقعية سياسية مشوهة لتغطيةجبننا. لكن يمكننا، على العكس من ذلك أن نُمكّن النساء والرجال ذوي الإرادة الصالحة من إعادة تصويب المسار. ويمكننا أن نبني سلسلة من التضامن، تساهم فيها كلُّ حلقة في استبدال القوّة بالعدالة. في لبنان، اخترنا أن نقول «لا» حين ظنّ العالم، بدافع من السخرية أو اللامبالاة، أننا بلا وزن يُذكر. لقد قاومنا الاحتلالات أيًّا كان مصدرها، وأكّدنا أن العيش المشترك والتفاعل بين المكوّنات المجتمعية هو أفضل ردّ على التعصّب والإقصاء. ويمكننا، مع الاتحاد الأوروبي، أن نعلن أننا متّحدون في تنوّعنا. ومن خلال إبرام اتفاق يوروجست، نواصل على الصعيد الدولي سعينا إلى ترسيخ قانون يحترم المبادئ الأساسية.

وأضاف انه يتعيّن علينا جميعًا إعطاء الأولوية للتضامن في مواجهة الجريمة. وقد قرّرنا تزويد نظامنا بالأدوات اللازمة للتصدّي لعولمة الجريمة. ونريد أن نكون حلقة فاعلة في سلسلة سيادة القانون. ويفتح الاتفاق، لا سيما في مادته السابعة، الباب أمام تعاون فعلي يتجاوز تبادل المعلومات، إذ تنص هذه المادة على ما  يلي:

"فرق التحقيق المشتركة:

1- يمكن ليوروجست أن تساعد لبنان في إنشاء فرق تحقيق مشتركة مع السلطات الوطنية في إحدى الدول الأعضاء، وفقًا للأساس القانوني الذي يجيز التعاون القضائي في المسائل الجزائية، كاتفاقات المساعدة القانونية المتبادلة. 

2- يمكن ليوروجست أن تقدم دعمًا ماليًا أو تقنيًا لتشغيل فرق التحقيق المشتركة التي تساندها على المستوى التشغيلي".

تابع: "من خلال تشكيل هذه الفرق المشتركة، سنتمكن من مواجهة ملفات معقدة تتجاوز حدودنا الوطنية.وبالتالي، فإن تشكيل فرق تحقيق مشتركة، وبدعم من يوروجست، هو ما سيمكّننا من مواجهة بعض الملفات المعقّدة. وقد تعزّز ذراع القضاء، ويقع على عاتقنا دعمه. إن اتفاق يوروجست تشكّل، في جوهرها، مسارًا يجمع بين طاقتين متلازمتين: التعاون في مكافحة الجريمة، واحترام المبادئ الأساسية، ولا سيّما حماية البيانات الشخصية. فمكافحة الجريمة لا تبرّر استخدام أي وسيلة كانت. وأسمح لنفسي هنا أن أستشهد، كما أفعل غالبًا، بألبير كامو: «إذا عجز الإنسان عن التوفيق بين العدالة والحرية، فإنه يفشل في كل شيء».

ختم:"أؤكد معكم انطلاق صفحة جديدة يفتحها لبنان اليوم في مسيرة التعاون الدولي لمكافحة الجريمة، وترسيخ العدالة، وصون دولة القانون".

المنشورات ذات الصلة