عاجل:

الإثنين المفصلي: اختبار الدولة بين حصر السلاح ورواتب القطاع العام..

  • ٣٣
ليس اجتماعاً حكومياً عادياً ذاك المرتقب يوم الإثنين. ما يُحضَّر في الكواليس يتجاوز بنداً تقنياً أو إجراءً تنفيذياً، ليضع السلطة التنفيذية أمام لحظة سياسية دقيقة قد تعيد رسم التوازنات الداخلية، أو تثبّت معادلة “التهدئة المشروطة” التي تحكم البلاد منذ وقف إطلاق النار.

الملفّ الأول هو الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح شمال الليطاني. والملفّ الثاني هو رواتب العسكريين والقطاع العام، في ظل احتقان اجتماعي يتصاعد بصمت. الجمع بين الاستحقاقين في جلسة واحدة ليس تفصيلاً إدارياً، بل يعكس حجم الضغط السياسي والمالي الذي تواجهه الحكومة دفعة واحدة.

من الجنوب إلى الشمال: انتقال محسوب لا مغامرة

الحديث عن حصرية السلاح لم يعد خطاباً سياسياً أو مطلباً خارجياً فحسب، بل دخل فعلياً في آلية تنفيذية تقودها المؤسّسة العسكرية. إلا أن الانتقال من جنوب الليطاني إلى شماله يختلف في طبيعته وحساسيته.
في الجنوب، ارتبط التنفيذ بقرار دولي واضح وبانتشار قائم لقوات الأمم المتحدة، ما وفّر مظلة دولية مباشرة. أما شمال الليطاني، فالمُعادلة داخلية - سياسية بامتياز.

هنا لا يمكن لأي خطوة أن تُفرض بالقوة أو بالمفاجأة، لأن أي خلل في التوازن قد يفتح الباب أمام توتر داخلي لا يحتمله البلد.

المُقاربة التي تتبلور، وفق معطيات سياسية، تقوم على ربط أي إعلان رسمي بسلة مُتكاملة: تثبيت وقف الاعتداءات الإسرائيلية، انسحاب كامل من النقاط المتبقية، مُعالجة ملفّ الأسرى، وبالتوازي إطلاق مسار بحث جدي في استراتيجية الأمن الوطني. هذا الربط ليس تفصيلاً تفاوضياً، بل هو صمّام أمان داخلي قبل أن يكون رسالة إلى الخارج.

لا قرار بلا توافق

حتى الآن، المؤشّرات لا توحي بأن البلاد تتجه إلى صدام سياسي مفتوح. على العكس، ثمة حرص واضح من مختلف الأطراف على منع تفجير الحكومة، فإسقاطها اليوم يعني إدخال البلاد في فراغ جديد، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، واقتصادٍ لم يتعافَ بعد من صدماته المتتالية.

الثُنائي الشيعي، بحسب مصادر مطلعة، لا يريد تحويل الملف إلى اشتباك حكومي، لكنه في الوقت نفسه يضع شروطاً واضحة: لا نقاش في أي صيغة تنفيذية قبل تثبيت الوقائع الميدانية جنوباً، ولا تجاوز لفكرة الاستراتيجية الدفاعية كإطار جامع. أي قفز فوق هذين السقفين سيُقرأ كإخلال بالتفاهم الداخلي.

في المُقابل، تدرك الرئاستان الأولى والثالثة أن الذهاب إلى خطوة أحادية سيضعهما في مواجهة سياسية مباشرة، لذلك يجري العمل على صياغة إعلان يوازن بين الالتزامات الدولية ومتطلّبات الاستقرار الداخلي.

الجيش بين الثقة والحسابات الدقيقة
الرهان الأكبر يبقى على قيادة الجيش، التي تحظى بثقة مختلف القوى. المؤسسة العسكرية تدرك أن تنفيذ أي قرار سياسي دون غطاء وطني جامع سيضعها في موقع حرج. لذلك، فإن مُقاربتها للمرحلة الثانية تبدو أقرب إلى إدارة عملية تدريجية، لا إلى عملية فرض أمر واقع.

المُعادلة التي تحكم القيادة واضحة: حماية السلم الأهلي أولوية مطلقة، وأي خطوة يجب أن تُبنى على تفاهم لا على تحدٍّ. فالتاريخ اللبناني يثبت أن القرارات الكبرى التي لا تُحاط بإجماع واسع تتحول سريعاً إلى مصدر انقسام.

الضغط الخارجي: بين الدعم والاختبار

لا يمكن فصل ما يجري عن الاهتمام الدولي المتجدد بالمؤسّسة العسكرية. مؤتمر دعم الجيش المرتقب يشكل حافزاً إضافياً لتثبيت صورة الدولة القادرة على الإمساك بقرارها الأمني. غير أن هذا الدعم نفسه يتحول إلى عنصر ضغط، إذ ينتظر المجتمع الدولي مؤشرات عملية على جدية مسار حصرية السلاح.

التحدي هنا مزدوج: كيف تطمئن الحكومة شركاءها الخارجيين إلى التزامها من دون أن تخلّ بتوازنها الداخلي؟

وكيف تُقنع الداخل بأن أي خطوة ليست استجابة لإملاءات، بل جزء من رؤية سيادية مُتكاملة؟

رواتب القطاع العام: القنبلة الصامتة

في موازاة الملفّ الأمني، تقف الحكومة أمام استحقاق مالي لا يقل خطورة. رواتب العسكريين والموظفين باتت مسألة استقرار اجتماعي لا مجرّد بند في الموازنة. أي تأجيل أو تسويف قد يعيد مشهد الاحتجاجات إلى الشارع، ويُربك المؤسسة العسكرية نفسها التي يُطلب منها تنفيذ قرارات حساسة.

هنا تكمن المُفارقة: الدولة مطالبة بتعزيز دورها الأمني، فيما قدراتها المالية محدودة ومواردها منهكة. لذلك فإن جلسة الإثنين لن تكون اختباراً سياسياً فحسب، بل امتحاناً لقدرة الحكومة على الجمع بين الأمن والعدالة الاجتماعية في آن واحد.

هل يُفجَّر اللغم أم يُفكَّك؟

السيناريوهات مفتوحة، لكن المعطيات الحالية ترجّح مسار الاحتواء لا الانفجار. الجميع يدرك أن أي تصعيد داخلي سيُضعف موقع لبنان في مواجهة التحديات الخارجية، وسيُفقده ما تبقى من مظلة دعم عربية ودولية.

الإثنين، إذاً، ليس موعد مواجهة بقدر ما هو لحظة إدارة توازن بالغ الدقة، حيث تُقاس القرارات بميزان الاستقرار لا بميزان الشعارات. نجاح الحكومة في صياغة مقاربة توافقية سيعني تثبيت مُعادلة جديدة عنوانها: حصر السلاح مسار تدريجي ضمن استراتيجية وطنية، لا قرار صدامياً معزولاً. أما الفشل، فسيعني فتح الباب أمام مرحلة ضبابية قد تتجاوز حدود الجلسة نفسها.

فهل ينجح لبنان أخيراً في تحويل حصر السلاح إلى مسار دولةٍ جامعة تحت سقف استراتيجية وطنية واضحة، أم أن جلسة الإثنين ستتحول إلى لحظة كاشفة تكسر التوازنات الهشة وتضع الحكومة أمام اختبار البقاء؟
المنشورات ذات الصلة