عاجل:

“الدليفري” يقرع بابهم… والناس ترتجف: تحقيق في خوفٍ يومي يتوسّع

  • ٢٠
لم يعد طرق الباب في لبنان فعلًا عاديًا.
كثيرون باتوا يتجمّدون لحظة سماع الجرس، يراقبون من ثقب الباب، يتردّدون، ويتساءلون: هل نفتح؟

الخوف لم يعد من اقتحامٍ عنيف، بل من شخصٍ يقرع بابهم بهدوء، يحمل صفة “عامل توصيل”، ويطلب الاستفسار عن طلبية قد لا تكون موجودة أصلًا.

في بلدٍ يتآكل فيه الأمان، تحوّلت خدمة “الدليفري” من وسيلة لتسهيل الحياة اليومية إلى مصدر قلق، ومن رمز للراحة إلى احتمال تهديد يقف خلف الأبواب.

الخوف تغيّر سلوك الناس

لم يعد هذا الخوف وهمًا أو ردّة فعل فردية.
في الأحياء، داخل المباني السكنية، وعلى مجموعات “واتساب” الخاصة بالسكان، تتكرّر التحذيرات:
«انتبهوا من دليفري بلا شعار»،
«دراجة بلا لوحة»،
«شخص يسأل عن طلبية غير موجودة».
كثيرون باتوا يرفضون فتح الباب إلا بعد اتصال مسبق من الشركة. آخرون يطلبون ترك الطلبية عند مدخل المبنى. وهناك من أوقف استخدام خدمات التوصيل كليًا، ليس توفيرًا للمال، بل خوفًا على الحياة.

من خدمة مألوفة إلى قناع مثالي للجريمة

الخطورة لا تكمن في “الدليفري” بحد ذاته، بل في تحوّله إلى قناع مثالي للجريمة.
صفة تمنح صاحبها شرعية تلقائية، وتُسقط الحذر. فالمواطن اعتاد رؤية عمّال التوصيل في كل ساعة، وفي كل شارع، ما جعل الشك استثناءً لا قاعدة.
هذا الاعتياد استغلّه المجرمون بذكاء. لم يعودوا بحاجة إلى الكسر والخلع. يكفي جرس باب، وذريعة بسيطة، وثوانٍ من الثقة، لينقلب المشهد رأسًا على عقب.

جريمة جسر الباشا: اللحظة التي انكسر فيها الأمان

الفيديو الذي انتشر مؤخرًا من منطقة جسر الباشا لم يكن مجرد مشهد صادم، بل نقطة تحوّل.
شخص ينتحل صفة عامل توصيل، يدخل إلى منزل بحجّة الاستفسار عن طلبية، لينتهي المشهد بجريمة قتل بدافع السرقة.
لم تكن الجريمة عشوائية. السيناريو كان واضحًا، التنفيذ سريعًا، والنتيجة مأساوية. حادثة كسرت آخر وهم بأن الخطر يأتي فقط من الخارج، أو في ساعات الليل.

نمط إجرامي يتكرّر: لا حوادث منفصلة

اللافت أن هذه الجريمة لم تكن معزولة.
حوادث مُشابهة سُجّلت في أكثر من منطقة: جسر الباشا، والمنصورية، وقرنة شهوان والجديدة. بين سرقة وقتل ومُحاولات اعتداء، يتكرّر الأسلوب نفسه:
انتحال صفة، كسب ثقة، دخول هادئ، ثم جريمة مكتملة الأركان.
هذا التكرار يطرح سؤالًا خطيرًا:
هل نحن أمام جرائم فردية، أم أمام نمط منظّم يستفيد من فوضى قطاع التوصيل؟

تحرّك قانوني لكسر الصمت

أمام هذا الواقع، تقدّم عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب رازي الحاج بإخبار إلى النيابة العامّة التمييزية، سُجّل تحت الرقم 178/2026، وأُحيل إلى شعبة المعلومات.
الإخبار يسلّط الضوء على ظاهرة عمّال التوصيل مجهولي الهُوية، وما يرافقها من تجاوزات قانونية، وصولًا إلى الاشتباه بوجود عصابة منظّمة تستخدم صفة “الدليفري” كغطاء لتنفيذ الجرائم.

حين تُترك الفوضى: تتحوّل إلى شريك في الجريمة

التحقيق في هذه الظاهرة يعيد طرح مسؤولية الدولة.
قطاع كامل يعمل عمليًا بلا ضوابط:
عمّال بلا أوراق ثبوتية
دراجات غير مرخّصة
غياب أي هوية تعريفية
انعدام الرقابة والمُتابعة

في هذا الفراغ، لا يحتاج المجرم إلى ابتكار وسيلة جديدة. يكفيه أن يلبس سترة، ويقود دراجة، ويقرع بابًا.

الخطر لا يقتصر على السرقة والقتل

الفوضى لا تهدّد الأمن داخل المنازل فقط، بل السلامة العامة أيضًا.
دراجات نارية غير قانونية، سائقون بلا رخص، مخالفات سير يومية، وحوادث قاتلة على الطرقات.
قطاع غير منظّم تحوّل إلى خطر مزدوج: أمني ومروري، في آن واحد.

تحيّة واجبة لمن يواجه الفوضى على الأرض

في خضم هذا المشهد القاتم، لا بدّ من الإشارة إلى الجهود التي تبذلها قوى الأمن الداخلي، والتي برزت هذا الأسبوع تحديدًا عبر حملات ميدانية واسعة نفّذتها مفارز السير في الضاحية وطرابلس وحلبا وصور، إضافة إلى بعلبك وزغرتا وزحلة، وأسفرت عن حجز مئات الدراجات النارية والتوك توك والسيارات غير المسجّلة، وتنظيم محاضر ضبط بحق المخالفين.

هذه الإجراءات، رغم محدوديتها قياسًا بحجم الفوضى، تشكّل خطوة ضرورية في اتجاه حماية السلامة العامة وكسر جزء من الانفلات المروري والأمني المرتبط بهذا القطاع، وتؤكد أن تطبيق القانون، متى فُعّل، يبقى خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين.

التنظيم ممكن: والدليل موجود

رغم الصورة القاتمة، يثبت الواقع أن التنظيم ليس مستحيلًا.
بعض الشركات العاملة في السوق اللبناني نجحت في فرض معايير واضحة:

هُويات وشعارات إلزامية
تدقيق بالأوراق الثبوتية
تدريب على السلامة المرورية
التزام بإجراءات السلامة

هذه النماذج تسقط كل حجج العجز، وتؤكد أن المشكلة ليست تقنية، بل قرارًا غائبًا.

السؤال الذي يقرع الأبواب

بين باب يُفتح بحسن نية، وجريمة تُرتكب بدم بارد، يقف اللبناني اليوم وحيدًا، بلا ضمانات.
فهل تتحرّك الدولة لتنظيم هذا القطاع قبل سقوط ضحايا جدد، أم يبقى كل جرس باب سؤالًا مُعلّقاً، قد يكون آخر ما يسمعه أحدهم؟
المنشورات ذات الصلة