اعتبر رئيس الهيئة التنفيذية لحركة أمل، مصطفى الفوعاني، خلال ندوة إعلامية تناولت جملة من الملفّات الوطنية والإقليمية، أنّ دولة الرئيس نبيه بري ينسج شبكة اتصالاته السياسية انطلاقًا من ثابت وطني لا يقبل المساومة، قوامه أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، لا يُدار بمنطق الانفعال، ولا تُحمى وحدته بمنطق الغلبة أو الإقصاء، بل بعقل الدولة وروح الشراكة الوطنية.
ورأى أن الرئيس برّي، ومن هذا المنطلق، يحرص في البعد الداخلي على التواصل مع مختلف المكوّنات السياسية دون استثناء، إيمانًا راسخًا بأن الحوار المسؤول هو السبيل الوحيد لحماية الاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية، وهو ما لطالما شدد عليه بقوله إن «الخلاف في الرأي لا يفسد في الوطنية قضية، وإن قطع الجسور بين اللبنانيين هو أخطر أشكال الانتحار السياسي».
وشدّد على أن انفتاح الرئيس بري خارجيًا يأتي من موقع الشراكة الندية لا التبعية، سواء تجاه الأشقاء العرب أو المُجتمع الدولي، ساعيًا إلى تثبيت حق لبنان في السيادة والاستقرار، ورافضًا تحويله إلى صندوق رسائل أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، انطلاقًا من قناعته بأن لبنان لا يكون قويًا إلا حين يُحترم، ولا يُحترم إلا حين يحترم نفسه ودستوره.
وأكّد أن مُقاربة دولة الرئيس بري للعلاقة بين اللبنانيين تنطلق من رؤية وطنية شاملة تعتبر أن الدولة، بمؤسساتها الدستورية، هي المرجعية الجامعة والضامن الوحيد للاستقرار الداخلي، وهو لا يتعاطى مع الخلافات السياسية من زاوية الاصطفاف أو الغلبة، بل من منطلق إدارتها ضمن أطر الحوار والتواصل، لا القطيعة أو التصعيد، انسجامًا مع مقولة الإمام السيد موسى الصدر: «إن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وإن الوطن يسع الجميع».
وأوضح أن الدور المحوري الذي يضطلع به الرئيس بري يتمثل في حماية التوازن الوطني الدقيق، والسعي الدائم إلى منع أي تباين سياسي من الانزلاق نحو توتر يهدد البنية الداخلية أو ينعكس سلبًا على السلم الأهلي، وهو ما يترجمه عمليًا عبر تثبيت لغة الدستور والمؤسسات، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة في أدق اللحظات، انطلاقًا من إيمانه الراسخ بأن قوة لبنان تكمن في وحدة أبنائه وتماسك مؤسّساته.
ولفتَ إلى أن أي تصدع داخلي، في هذه المرحلة الإقليمية الحساسة، لا يخدم إلا العدو الإسرائيلي، الذي لطالما استفاد من الانقسامات اللبنانية، مذكرًا بتأكيد الرئيس بري الدائم أن «الوحدة الوطنية هي السلاح الأمضى في مواجهة العدو»، وهي المقولة التي تعكس جوهر المدرسة الوطنية التي أرساها الإمام الصدر حين قال: «إسرائيل شر مطلق، والتعامل معها حرام».
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين رئاسة الجمهورية وحزب الله، رأى أن هذه العلاقة يجب أن تُقرأ ضمن إطار أوسع من الحسابات السياسية الضيقة، باعتبارها جزءًا من معادلة الاستقرار الوطني العام، حيث إن مصلحة لبنان العليا تفرض التلاقي عند الثوابت الكبرى، حتى في ظل وجود اختلافات سياسية أو مقاربات مُتباينة في بعض الملفّات.
وأكّد أن الخلاف، عندما يُدار بعقلانية وتحت سقف الدولة، يبقى عنصرًا صحيًا في الحياة السياسية، أما حين يتحول إلى قطيعة أو صدام، فإنه يفتح الباب أمام مخاطر تمس الوطن بأكمله، مشددًا على أن العدو الصهيوني يبقى المستفيد الأول من أي توتر داخلي، في ظل تماديه في سياسات العدوان والتدمير والاعتداء المستمر على السيادة اللبنانية.
ومن هنا، اعتبر أن الحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم والتنسيق بين المكونات الدستورية والسياسية ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة التحديات القائمة، حيث تبقى حماية السلم الأهلي وتحصين الجبهة الداخلية مسؤولية جماعية تتقدم فيها المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر.
وفي الشأن السوري، رأى أن مقاربة حركة أمل تنطلق من منظور تاريخي–حضاري يقوم على تشابك الجغرافيا ووحدة المصالح وعمق العلاقات بين الشعبين اللبناني والسوري، معتبرًا أن سوريا تشكّل عمقًا استراتيجيًا للبنان، وأن أي اضطراب يصيبها ينعكس حُكمًا على لبنان بمختلف أبعاده.
وأشارَ إلى أن الأولوية في المدى القريب تكمن في تحصين الداخل اللبناني ومنع انتقال تداعيات الأزمات الإقليمية إلى الساحة الوطنية، فيما يبقى لبنان، على المدى البعيد، بحاجة إلى سوريا مستقرة وموحدة وقادرة على استعادة دورها الطبيعي، لأن استقرار الجوار شرط بنيوي لاستقرار الوطن.
وأكّد في هذا السياق رفض تحميل اللبنانيين أعباء أزمات تفوق قدرتهم على التحمل، داعيًا إلى مقاربة عقلانية ومسؤولة تقوم على التعاون والاحترام المتبادل وصون السيادة، وبناء علاقات طبيعية بين دولتين شقيقتين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والمصالح المُشتركة.
أما في ما يتّصل بالمشهد الإقليمي، فرأى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُظهر ثباتًا استراتيجيًا وقدرة واضحة على إدارة الضغوط، ما يجعلها عنصر توازن أساسي في معادلات المنطقة، لافتًا إلى أن دعمها لقضاياها المركزية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، أسهم في كبح محاولات فرض وقائع أحادية على شعوب المنطقة.
وختم بالتأكيد أن الانخراط في منطق الحوار مع إيران واحترام دورها الإقليمي يشكلان مدخلًا طبيعيًا لحماية الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة، معتبرًا أن إدارة الخلافات بالعقل والسياسة، لا بالحروب، تبقى الخيار الأجدى لصون أمن المنطقة واستقرارها، وهو ما ينسجم مع نهج الإمام الصدر ودولة الرئيس بري القائم على الحكمة، والتوازن، وتغليب منطق الدولة.
×