في بلدٍ تتهاوى فيه الثقة بالمؤسسات العامّة، لا تعود الفضيحة هي الحدث الأخطر، بل اعتياد الناس عليها. فحين يتحوّل الخبر الصادم إلى مادة عابرة، تُقرأ ثم تُنسى، يكون الخلل أعمق من مجرد مخالفة أو خطأ فردي.
هذا تمامًا ما يعيده إلى الواجهة ملف أدوية السرطان في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، أحد أخطر الملفّات الصحية التي تمسّ جوهر الحق في العلاج.
القضية لا تتعلّق فقط بسرقة أدوية أو هدر مال عام، بل بكيفية تحويل الدواء المخصّص لمرضى السرطان، وبينهم أطفال، إلى أداة استثمار وربح داخل منظومة يُفترض أنها وُجدت لحماية الأضعف.
حين يُستغلّ العلاج المجّاني
المُعطيات المتوافرة تكشف أن أدوية مقدّمة مجانًا من الدولة، خُصّصت لعلاج مرضى داخل المستشفى، جرى إخراجها من مسارها الطبيعي، واستخدامها خارج الإطار الرسمي، مُقابل بدل مادّي. هنا، لا يعود الحديث عن تجاوز إداري، بل عن انتهاك مباشر لحقّ المرضى، واستغلال فجّ لحاجتهم.
الأخطر أن هذه المُمارسات لم تحصل صدفة، بل عبر آليات منظّمة: تلاعب بالكميات، وعدم إعادة الفائض من الأدوية، وإخراج مُستلزمات طبيّة من دون تسجيل، واستخدام وسائل تمويه لتجاوز الرقابة. وكل ذلك كان ليبقى مُستحيلًا، لولا وجود ثغرات واضحة في أنظمة المُتابعة والمُحاسبة.
من المسؤول؟ الفرد أم النظام؟
السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لأدوية شديدة الحساسية أن تختفي من مستشفى حكومي من دون أن تُكتشف فوراً؟ وأين كانت الإدارة؟ وأين نظام الجردة؟ وأين الرقابة الداخلية؟
الوقائع تشير إلى خلل بنيوي في إدارة الدواء، لا إلى تصرّف معزول. فالأدوية التي لا تُعاد إلى الصيدلية، أو لا تُسجّل في المستودعات، لا تختفي فجأة، بل تضيع في مسار طويل من الإهمال، وربما التواطؤ، والصمت المُتراكم.
ملف قديم: وجراح مفتوحة
ما يزيد خطورة هذه القضية، أنها أعادت فتح ملفات قديمة داخل مستشفى رفيق الحريري، تعود إلى أكثر من عقد. تحقيقات سابقة، شبهات حول صفقات أدوية، اختلافات في الجردات، وملاحظات رقابية لم تُستكمل، كلها تشير إلى أن ما كُشف اليوم ليس حدثًا طارئًا، بل جزءًا من مسار طويل لم يُقفل.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: ما قيمة العدالة حين تأتي متأخرة؟ وهل تكفي الغرامات أو القرارات الإدارية، حين يكون الضرر قد طال صحة مرضى لا يمكن تعويضهم؟
الضرر يتجاوز المال العام
صحيح أن المال العام أُهدر، لكن الخسارة الأعمق هي في الثقة. ثقة المريض بالمستشفى الحكومي، وثقة المواطن بالدولة، وثقة الناس بأن العلاج الذي يتلقّونه محمي من العبث. حين تهتز هذه الثقة، يصبح كل دواء موضع شك، وكل علاج مصدر قلق.
وإذا كانت بعض الجهات الرقابية قد تحرّكت، فإن ذلك لا يلغي السؤال الأساسي: لماذا استغرق كشف هذه الوقائع كل هذا الوقت؟ ولماذا لم تُستكمل التحقيقات الإدارية والجزائية بشكل متزامن وحاسم؟ ولماذا بقيت أسماء ومسؤوليات خارج دائرة المُحاسبة؟
بيئة حاضنة للفساد
القضية لا يمكن فصلها عن البيئة التي سمحت لها بالاستمرار. بيئة يتداخل فيها الإهمال مع النفوذ، والصمت مع الخوف، والمصلحة الخاصة مع غياب المساءلة. في مثل هذه البيئة، لا يعود الفساد استثناءً، بل يتحوّل إلى ممارسة قابلة للتكرار.
فالفساد لا يعيش فقط على من يرتكبه، بل على من يراه ويسكت، ومن يؤجّل المحاسبة، ومن يراهن على تعب الرأي العام وكثرة الفضائح.
ما الذي تغيّر فعلياً؟
أي قرار رقابي أو قضائي، مهما بلغت أهميته، يبقى ناقصًا إذا لم يُترجم بإصلاح جذري يمنع تكرار ما حصل. الإصلاح لا يبدأ فقط بالعقوبة، بل بإعادة بناء منظومة إدارة الدواء، وتفعيل التفتيش، وضمان الشفافية، وحماية المبلّغين، وإغلاق كل الثغرات التي سمحت بالعبث بصحة الناس.
فالفضيحة لا تُقاس بحجم الضجة التي تثيرها، بل بقدرة الدولة على منع تكرارها.
السؤال الذي لا يجوز تجاهله
في بلدٍ يعاني فيه مرضى السرطان من نقص الدواء، وارتفاع كلفة العلاج، والخوف اليومي على حياتهم، يصبح الصمت عن العبث بعلاجهم جريمة مُضاعفة.
فهل ما كُشف هو نهاية هذا الملف، أم مجرّد الحدّ الأدنى الذي سُمح بوصوله إلى العلن؟
وهل تتحوّل هذه القضية إلى نقطة تحوّل حقيقية في حماية حق المرضى، أم تُضاف إلى لائحة الفضائح التي عرفها اللبنانيون.. ثم اعتادوا عليها؟
×