عاجل:

الولايات المتحدة وغرينلاند وسباق القطب الشمالي..

  • ١٧

أعلنت مملكة الدنمارك عن "تعزيز وجودها العسكري" على جزيرة غرينلاند التي قفزت إلى عناوين الأنباء في الفترة الأخيرة بسبب رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضم الجزيرة إلى بلاده.

يأتي ذلك في خطوة للإعلان عن جدية وقدرة الدول الأوروبية على الدفاع عن الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي في القطب الشمالي، حيث يخشى ترامب سيطرة روسيا والصين على القطب الشمالي البكر والغني بموارده، وهو ما يطرحه كذريعة للاستيلاء على الجزيرة.

إلا أن التدريبات المحدودة التي جرت على الجزيرة منذ 14 يناير الجاري تضمنت نحو 41 عسكريا (15 من فرنسا، و13 من ألمانيا، و10 من إستونيا، و2 من النرويج وواحد من بريطانيا). وتوجد على الجزيرة بقاعدة بيتوفيك الجوية قاعدة أمريكية يرابط فيها 150 جنديا مكلفين بالدفاع عن الجزيرة بموجب اتفاقية عام 1951.

وكان الرئيس الامريكي ترامب قد صرح في وقت سابق بأنه بحاجة لغرينلاند من أجل ضمان الأمن القومي الأمريكي، وقال إن محادثات تجري الآن بين دول "الناتو" لتجنب "الثغرة الكبيرة" التي يسببها عدم حصول الولايات المتحدة على الجزيرة.

وتقول بعض التسريبات إن الولايات المتحدة ربما تعرض نصف مليون دولار على كل مواطن في الجزيرة (تعداد السكان في الجزيرة 60 ألفا) كـ "حافز" للموافقة على الانضمام إلى الولايات المتحدة، فيما قال المسؤولون في غرينلاند إن جزيرتهم ليست للبيع. ولم يستبعد ترامب أي بديل للحصول على الجزيرة، بما في ذلك باستخدام القوة.

وكانت دول "الناتو" التي أرسلت العسكريين إلى الجزيرة ترغب في تقييم الوضع الأمني في المنطقة القطبية وبحث إمكانية مساهمة الحلف في حمايتها بشكل مشترك، حيث ترى الدول الأوروبية، بخلاف الموقف الأمريكي، أن غرينلاند لا تحتاج إلى سيطرة أمريكية لضمان أمن القطب الشمالي وأن "الناتو" قادر على إدارة هذه المهمة بشكل جماعي. من جانبها أعربت الخارجية الروسية عن قلقها المتزايد إزاء تعزيز "الناتو" لنشاطه في القطب الشمالي، وهو ما سيؤدي إلى تصاعد التوتر.

لقد بذلت الولايات المتحدة عدة محاولات للاستحواذ على جزيرة غرينلاند من الدنمارك منذ القرن التاسع عشر، وبينما تم الاستحواذ على ما يقارب من 40% من أراضي الولايات المتحدة عن طريق الشراء، لا سيما ألاسكا ولويزيانا، دارت نقاشات داخل الحكومة الفيدرالية الأمريكية حول شراء الجزيرة عام 1867 بدعم من وزير الخارجية آنذاك ويليام سيوارد، ثم مرة أخرى عام 1910، وخلال الحرب العالمية الثانية أنشأت الولايات المتحدة قواعد عسكرية في غرينلاند. وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أبلغ مستشارو الرئيس الأمريكي هاري ترومان الرئيس بالميزة الجغرافية للجزيرة في الدفاع عن الولايات المتحدة ضد القاذفات الاستراتيجية السوفيتية التي قد تحلق فوق الدائرة القطبية الشمالية باتجاه أهداف في أمريكا الشمالية.

لهذا بدأت الولايات المتحدة مفاوضات مع الدنمارك بشأن استخدام غرينلاند، وفي مرحلة ما، اقترح الجانب الأمريكي شراء الجزيرة بالكامل مقابل 100 مليون دولار من الذهب وحقوق استغلال حقل نفطي في ألاسكا. وقد جرى ذلك في سرية تامة، إلا أن الدنماركيين صدموا من هذه الفكرة. وفي نهاية المطاف اتفقت حكومتا الولايات المتحدة والدنمارك على سبل أخرى لضم غرينلاند إلى الدفاعات الأمريكية، حيث تمكنت واشنطن من تحقيق المطلب الذي أرادته إدارة ترومان دون بيع الجزيرة بشكل مباشر.

اليوم تعود قضية غرينلاند إلى السطح في ظل وضع دولي متوتر وفي ظل "استنفار" أوروبي يعرب فيه "القادة" و"الزعماء" عن شجبهم واستنكارهم ورفضهم لأي خطوة من شأنها التعدي على "سيادة" الدنمارك ووحدة أراضيها. ويتناسى هؤلاء دورهم في المسرحية الهزلية، فتنسى ألمانيا الهجوم الإرهابي على خطوط أنابيب "السيل الشمالي"، وتتناسى دول الشمال أن ما حدث وقع على مرأى ومسمع من أجهزتها وأقمارها الاستخبارية، ويتناسى هؤلاء من المتسبب في المشكلات الحقيقية التي تواجه أوروبا في الاقتصاد والهجرة وهروب رؤوس الأموال والصناعة إلى أماكن رخيصة الطاقة بعد تنازل نفس هؤلاء "الزعماء" في أوروبا طوعا عن مصادر الطاقة الرخيصة من روسيا رغما عن أنفهم، بعد كل هستيريا شيطنة روسيا.

كما يأتي ذلك ونحن على بعد أسبوعين فقط من انتهاء سريان معاهدة "تدابير زيادة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها" (نيوستارت)، ويأتي على خلفية أزمة فساد مالي وسياسي داخل أوكرانيا، وعدم رغبة الجانب الأوكراني للمضي قدما على طريق المفاوضات، بإيعاز ورعاية من أوروبا التي تواصل تزويد النظام الأوكراني النازي بالأسلحة والأموال.

أعتقد أن غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة ستفتح آفاقا أخرى للتنمية بين روسيا والولايات المتحدة، وأرى دورا هاما لرئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة والممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي الخارجي كيريل دميترييف وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في طرح مشروعات روسية أمريكية مشتركة في القطب الشمالي. لقد أثبتت أوروبا فشلها وهزمت في أوكرانيا ولم يعد لها دور في التوازنات الاستراتيجية الجديدة، وأعتقد أن الحوار الجدي حول مستقبل العالم يجب أن يجري بين روسيا والولايات المتحدة والصين والهند.

وكما استخدم الغرب/"الناتو" أوكرانيا شرقا لتهديد واستنزاف روسيا، تقف أوروبا اليوم عاجزة أمام الولايات المتحدة بعد فشل كل المحاولات شرقا، وما أسفرت عنه من فقدان الدولة الأوكرانية ليس فقط لمساحات شاسعة تقدر بربع مساحة البلاد، وإنما أيضا في فقدانها مقومات الدولة، وبينما تدور المعارك اليوم حول أوديسا، فإن فقدان أوكرانيا لهذه المدينة الروسية بالأساس على البحر الأسود، ستفقد أوكرانيا مخرجها الوحيد على البحر، وهي خسارة استراتيجية فادحة، تشبه خسارة أوروبا لغرينلاند.

أصبح واضحا للعيان استحالة هزيمة روسيا في أوكرانيا، وتبدو الجلبة حول غرينلاند كجبهة جديدة تفتحها الولايات المتحدة لتعلن بها رسميا عن وفاة "الناتو".

لقد أسكرت مغامرة فنزويلا، الناجحة مؤقتا على المدى القصير، رجل الاستعراض دونالد ترامب وها هو يمضي نحو غرينلاند سعيا وراء 13% من احتياطيات النفط غير المكتشفة، و30% من احتياطيات الغاز الطبيعي غير المكتشفة. لكن الولايات المتحدة لا تمتلك ما تمتلكه روسيا من أكبر أسطول لكاسحات الجليد، وما تمتلكه من خبرة في القطب الشمالي.

بين غرينلاند وفنزويلا وإيران والشرق الأوسط وأوكرانيا أعتقد أن إدارة البيت الأبيض تحاول كتابة تاريخ جديد وتضع صورة جديدة لنظام عالمي يقوم على مصالح الأقوياء، ولا عزاء فيه للضعفاء.

ربما يصدق ترامب في نواياه للعب دور بناء لتسوية القضايا الدولية المعقدة والحساسة، لكن هل لا زالت الولايات المتحدة تملك ما يكفي من القوة والقدرة والإمكانية على إخضاع القارة العجوز وفرض إرادتها عليها؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.

رامي الشاعر

المنشورات ذات الصلة