عاجل:

تحديث التشريعات في لبنان: بين تطوّر الجريمة وضرورة مواكبة القانون..

  • ١٩
لم يعد خافيًا أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ولا سيّما في المجالات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية، فرضت واقعًا جديدًا على المجتمعات والدول، ووضعت المنظومات القانونية التقليدية أمام تحديات جدّية. ففي لبنان، لا يزال عدد كبير من التشريعات النافذة يعود إلى عقود طويلة مضت، وقد وُضع في سياق تاريخي واجتماعي مختلف كليًا عن الواقع الراهن، ما يجعلها في كثير من الأحيان عاجزة عن الاستجابة الفعّالة للإشكاليات المُستجدّة.

فالقانون، في جوهره، وُضع لتنظيم المجتمع وضبط العلاقات بين أفراده، وهو بطبيعته ليس نصًا جامدًا أو ثابتًا، بل يفترض أن يتطوّر ويتغيّر بتغيّر الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.

إلا أن هذا المبدأ لم ينعكس بالشكل المطلوب على المنظومة التشريعية اللبنانية، التي ما زالت تعتمد في أجزاء واسعة منها على نصوص لم تعد تتلاءم مع التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع.

وقد انعكس هذا الجمود التشريعي بشكل واضح في مجال الجريمة، التي لم تعد محصورة بالأشكال التقليدية المعروفة، بل تطوّرت وسائلها وتبدّلت أدواتها، لا سيّما مع انتشار التكنولوجيا والفضاء الرقمي.

فجرائم الاحتيال الإلكتروني، والابتزاز عبر الوسائل الحديثة، وانتهاك الخصوصية، باتت تشكّل تحديًا حقيقيًا أمام نصوص قانونية قديمة، غالبًا ما تفتقر إلى الدقة أو الشمولية اللازمة لمُعالجتها بفعالية.

من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحديث القوانين اللبنانية، ليس فقط عبر تعديل بعض المواد المتفرقة، بل من خلال مقاربة تشريعية شاملة تأخذ في الاعتبار التطورات المتلاحقة، وتستند إلى التجارب القانونية المعاصرة، مع مراعاة الخصوصية اللبنانية.

فالدول الحديثة لا تتعامل مع قوانينها بوصفها نصوصًا نهائية، بل تخضعها باستمرار للمراجعة والتقييم، إدراكًا منها أن العدالة لا تتحقق إلا عبر نصوص قانونية متجددة تعكس واقع المجتمع وتلبّي حاجاته.

وفي هذا السياق، لا يمكن مقاربة مسألة تحديث التشريعات بمعزل عن الواقع اللبناني العام، حيث لا تقتصر الإشكالية على تقادم النصوص القانونية فحسب، بل تتعدّاها إلى طريقة تفسيرها وتطبيقها، وإلى الإطار المؤسسي الذي يُفترض أن يضمن فعاليتها. فالقانون، مهما بلغ من تطوّر نظري، يبقى عاجزًا عن تحقيق غاياته إذا لم يُدرَج ضمن منظومة متكاملة تقوم على الوضوح التشريعي، وحسن التطبيق، وثقة المواطن بالمؤسسات.

ويكتسب هذا النقاش أهمية مضاعفة في بلد كلبنان، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية مع ضعف الثقة بالمؤسسات العامة. فالقوانين المتقادمة، حين لا تُحدَّث، لا تعيق فقط تحقيق العدالة، بل تفتح الباب أمام الاجتهاد المتناقض، وتُضعف مبدأ الأمن القانوني، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى إفلات المخالفين من المحاسبة أو إلى انتهاك حقوق الأفراد.

كما أن تحديث التشريعات لا يجب أن يُفهم على أنه إجراء تقني صرف، بل هو خيار تشريعي وسياسي يعكس رؤية الدولة لدورها ولمستقبلها. فالقانون الحديث هو الذي يوازن بين حماية المجتمع وضمان الحريات الفردية، وبين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية، وهو ما يتطلّب نصوصًا واضحة، دقيقة، وقابلة للتطبيق، بعيدًا عن الغموض أو التفسيرات المُتناقضة.

ولا يمكن في هذا الإطار إغفال دور القضاء، الذي يشكّل حجر الأساس في إنفاذ القوانين وتكريس العدالة. فالتشريعات المتطورة تحتاج إلى قضاء مستقل وفعّال، قادر على مواكبة التطور القانوني، وعلى تطبيق النصوص بروحها ومقاصدها، لا بحرفيتها الجامدة. كما أن تأهيل القضاة وتدريبهم المستمر على المستجدات القانونية والتكنولوجية بات ضرورة لا غنى عنها في ظل تعقّد القضايا الحديثة.

إلى جانب ذلك، يبرز دور الإدارة العامة والأجهزة المعنية بإنفاذ القانون، التي يفترض أن تكون مجهّزة بالوسائل التقنية والبشرية اللازمة لتطبيق التشريعات الحديثة. فالقانون، مهما بلغ من تطوّر، يبقى عاجزًا إذا لم تتوافر له بنية مؤسساتية قادرة على تنفيذه، أو إذا اصطدم بثقافة استنسابية في التطبيق أو بغياب فعلي للمحاسبة.

إن تحديث القوانين، على أهميته، يبقى خطوة ناقصة إن لم يُقترن بتنفيذ فعلي وصارم. فالتشريع المتقدّم يفقد قيمته حين يبقى حبرًا على ورق، فيما يشكّل حسن التطبيق الأساس الحقيقي لتحقيق العدالة، وحماية المجتمع، وصون الحقوق والحريات.

من هنا، فإن أي عملية تحديث تشريعي جدّية يجب أن تندرج ضمن رؤية إصلاحية شاملة، تربط بين تطوير النصوص القانونية، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة، وترسيخ ثقافة احترام القانون. فالإصلاح الجزئي أو الظرفي لا يكفي لمعالجة خلل بنيوي مُتراكم منذ سنوات طويلة.

إن مواكبة التحولات المُعاصرة عبر منظومة تشريعية حديثة لا تشكّل ترفًا قانونيًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء دولة عادلة وقادرة.

فالدولة التي تعجز عن تحديث قوانينها، أو عن تطبيقها بعدالة، تعجز في الوقت نفسه عن حماية مجتمعها وصون حقوق مواطنيها.

ومن هنا، يبقى الرهان الحقيقي على إرادة تشريعية وتنفيذية جادة، تدرك أن القانون ليس مجرّد نص، بل أداة لبناء الثقة، وتحقيق العدالة، وضمان الاستقرار.

المحامي شربل زغيب
المنشورات ذات الصلة