عاجل:

عام دراسي بين الوعود والانتظار: كيف تدير وزارة التربية أزمة التعليم؟

  • ٢٦
منذ تولّي الدكتورة ريما كرامي حقيبة وزارة التربية والتعليم العالي في الحكومة اللبنانية، لم يخرج أداؤها من دائرة الجدل.

فالمسار الإداري المعتمد، وأسلوب مقاربة الملفات التربوية الحسّاسة، وضعا الوزارة في مواجهة انتقادات مُتزايدة داخل الأوساط التربوية، والإعلامية، وعلى منصّات التواصل الإجتماعي.

وبرغم أن أي مسؤول يتولّى حقيبة بحجم وزارة التربية لا يكون بمنأى عن النقد، إلا أنّ كثافة الملاحظات المسجّلة في الأشهر الماضية تفرض قراءة هادئة، لكن صارمة، لأداء الوزارة في واحدة من أدقّ المراحل التي يمرّ بها التعليم في لبنان.

ورغم ما يُعلن عن نوايا إصلاحية، يبدو أن القرارات الحاسمة في وزارة التربية تتأخر أكثر من اللازم.

هذا التأخير يترك قطاع التعليم في حالة من التخبّط والانتظار، وكأن العام الدراسي يُدار بين وعود غير مُنفّذة وحقائق مُرّة على الأرض.

١- تأخّر القرارات الحسّاسة: امتحانات الشهادة المتوسطة نموذجاً 

شكّل ملف امتحانات الشهادة المتوسطة «البريفيه» أحد أبرز عناوين الإرباك. فالتأخير في إعلان موقف واضح من إجراء الإمتحانات، وطرح احتمالات الإلغاء أو الاستعاضة عنها بتقييم داخلي، أثارا قلقاً واسعًا لدى الطلاب والأهالي والمعلمين، الذين اعتبروا هذه الشهادة محطة تربوية أساسية لقياس المُستوى الأكاديمي. ورغم تأكيد الوزيرة في أكثر من مناسبة أن القرار «ما زال قيد البحث» وأن الوزارة «تعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه»، فإن غياب الحسم في توقيت حاسم كان كافياً لإشعال موجة انتقادات شعبية وتربوية واسعة.

٢- شرخ العلاقة مع الأساتذة وروابط التعاقد

لم تكن العلاقة بين وزارة التربية وروابط الأساتذة المتعاقدين في أفضل حالاتها. فقد عبّر هؤلاء مرارًا عن امتعاضهم من طريقة إدارة ملفاتهم المطلبية، لا سيّما لجهة تحسين الأوضاع المعيشية والوظيفية. ومع تصاعد التوتر، وصلت الأزمة إلى مستوى شرخ متسع تُرجم بإضرابات واعتصامات، في مؤشر واضح إلى اهتزاز الثقة بين الوزارة وفئة تُشكّل العمود الفقري للعملية التعليمية.

وفي سياق مُتّصل، جاء بيان نقابة المعلّمين الأخير ليدقّ ناقوس الخطر حول أوضاع الجسم التعليمي، إذ طالبت مجلس النواب بتعديل مشروع قانون الفجوة المالية بما يلحظ أموال صناديق التعويضات والتقاعد والتعاضد، بعد خسائر تجاوزت ٨٠٠ مليون دولار.

ورأت النقابة أن تغييب هذه الحقوق المكتسبة عن أي معالجة تشريعية يشكّل «ظلماً فادحاً» لفئة أنهكتها الأزمة، ما يضيف بُعداً مالياً وحقوقياً جديداً إلى المشهد التربوي المأزوم، ويضع وزارة التربية أمام اختبار إضافي في الدفاع عن حقوق المعلّمين، لا الاكتفاء بإدارة الأزمة.

٣- قرارات إدارية مثيرة للجدل: الإعلام تحت المجهر

أثار تعميم وزاري يُلزم الموظّفين والمعلمين بعدم الإدلاء بتصريحات إعلامية من دون إذن مسبق انتقادات حادّة، واعتبره البعض محاولة لتقييد حرية التعبير داخل القطاع التربوي. في المقابل، دافعت الوزارة عن الخطوة باعتبارها تطبيقًا لنصوص قانون الخدمة المدنية. وبين التفسيرين، بقيت صورة الوزارة عرضة للتأويل والانتقاد، خصوصًا في ظلّ حساسية المرحلة وحاجة الرأي العام إلى الشفافية.

٤- خيارات تربوية انقسامية في مجتمع مأزوم

لم تخلُ السياسات التربوية من ملفات خلافية ذات طابع اجتماعي. فقد أثار إدراج خيار «جنس ثالث» في أحد الاستبيانات التربوية الوطنية موجة اعتراضات سياسية ومجتمعية، قبل أن يتم التراجع عنه أو تبريره. هذا النوع من المبادرات، بصرف النظر عن خلفياته، فتح الباب أمام نقاش واسع حول توقيت القرارات وحساسية الواقع الإجتماعي اللبناني.

٥- انفعال في الظهور العام وصورة الوزارة

ساهمت بعض الإطلالات الميدانية للوزيرة في تغذية الجدل، لا سيّما بعد تداول مقاطع مصوّرة بدت فيها منفعلة على أسئلة تتعلّق بالامتحانات الرسمية. وقد اعتبر منتقدون أن هذا السلوك لا ينسجم مع موقع تربوي يُفترض أن يشكّل نموذجًا في التواصل الهادئ، فيما رأى آخرون أن الضغط الإستثنائي يبرّر حدّة المواقف. إلا أن الأثر الإعلامي بقي سلبيًا على صورة الوزارة.

٦- حادثة السلاح في البقاع: ذروة الجدل

بلغ منسوب الانتقادات ذروته مع الحادثة التي كشف عنها بيان صادر عن موقع “الجريدة اللبنانية”، والمتعلّقة بإشهار سلاح من قبل أحد مُرافقي الوزيرة خلال نشاط تربوي في منطقة البقاع. ووفق البيان، خرجت زيارة مخصّصة لافتتاح مكتبات تربوية عن سياقها الطبيعي، عندما أقدم المرافق على إشهار سلاحه باتجاه الزميل رشاد إسماعيل أثناء مُحاولة التقاط صورة أو الحصول على تصريح.

الحادثة، كما ورد في البيان، أثارت استهجانًا واسعاً، ليس فقط لخطورتها، بل لكونها أدخلت منطق السلاح إلى فضاء تربوي مدني، يفترض أن يكون محكوماً بالهدوء والاحترام.

وشدّد الموقع على أن ما جرى لا يمكن اختزاله بمشهد فردي، بل يعكس ذهنية أمنية لا تنسجم مع طبيعة العمل التربوي ولا مع صورة الدولة، مُحذّراً من أن السكوت عن مثل هذه التصرفات يشكّل تواطؤًا مع منطق لا يليق بمؤسّسة رسمية.

بين مشروعية النقد ومسؤولية الإصلاح

لا يُمكن إنكار أن وزيرة التربية تواجه تحديات جسيمة في قطاع يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وأن بعض مُبادراتها تنطلق من نوايا إصلاحية، سواء لجهة دعم المدرسة الرسمية أو تحديث المناهج أو تحسين أوضاع المعلمين.

غير أنّ مشروعية النقد لا تنبع من الرغبة في التصويب السياسي، بل من الوقائع المُتراكمة على الأرض، والتي باتت تفرض نفسها على أي قراءة جدّية لأداء وزارة التربية في هذه المرحلة.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد عن النوايا، بل عن القدرة على إدارة أخطر وزارة في أخطر مرحلة: هل تُبادر وزارة التربية إلى تصويب المسار سريعاً، أم يُترك العام الدراسي مجددًا رهينة الجدل والتخبّط؟
المنشورات ذات الصلة