عاجل:

إلى قداسةِ الحبرِ الأعظم البابا ليون الرابع عشر الكليّ الطوبى..

  • ٤٩

بعد لثمِ يمينكم الطاهرة، نكتبُ إليكم من وطنٍ لم يَعُد وطنًا، من أرضٍ كانت يومًا جبينَ الشرق ودرّتَه، من وطنٍ ارتفع كترنيمةٍ فوق جبال لبنان، وكالتاجِ من نورٍ تجلّى لأنبيائه.

لكنّنا اليوم نكتب من «لبنان» الذي شُبِّه بهيكلٍ مرفوعٍ على صخور الأبديّة، وكأنّ السماء جعلت من قمم أرزه مذبحًا، ومن وديانه نشيدًا، ومن جباله عيدًا لا يُنتَهك، كما تغنّى أشعيا قائلًا: «مجدُ لبنانَ أُعطيَ له».

أمّا الآن، فقد صار أشبه بجسدٍ مُلقى على هامش التاريخ، تتقاسمه قوىً كان يُفترض بها أن تحرسه، وتنهشه جماعاتٌ اتّخذت باسم الدين ستارًا، ومن السيادة قناعًا.

لكن، يا وطنَ النبوءات، ماذا فعل بك أبناؤك؟ لم يسقط لبنان بضربةِ عدوّ، إنّما بضربةِ يدٍ من بيته.

انطفأ مجده لا لأنّ الجبال هوَت، بل لأنّ من يسكنون سفوحها استبدلوا الكبرياءَ بالمهانة، والحرّيةَ بالارتهان، والوجهَ السماويّ الذي وُعِد به الوطن بوجوهٍ شاحبةٍ تحفر في جسده وتقتات من بقاياه.

اسألْهم يا قداسةَ الأب الأقدس عن الوطن الذي نزف على أرصفة المستشفيات، وعن البيوت التي سُحِقت في الرابع من آب ٢٠٢٠، وعن الأطفال الذين ينامون اليوم على خوف، وعن آباءٍ يمشون بلا ذاكرة، وأمّهاتٍ يَشتمِمْن رائحة الموت في كلّ حجر، ولا يجدن دولةً تواسيهم، ولا كنيسةً تصرخ لأجلهم.

اسألهم عن عائلاتٍ أصبحت مدّخراتها أرقامًا محجوزة، وعن كلّ عاملٍ يكدّ نهارًا ليعود إلى داره بلا كهرباء ولا ماء ولا أمان. كلّ ما تبقّى هو غبار الجوع والفقر، والذكريات المؤلمة التي تلتصق بكلّ زاويةٍ من زوايا الوطن.

كان لبنان يومًا «مجدًا لله في العلاء»، أمّا اليوم فصار «غنيمةً لذئابٍ على الأرض». كان سليمان يطلب خشب أرزه لبناء الهيكل، واليوم يطلب السارق ثروته لبناء قبره. كان نهر الكلمة يجري من أفواه الأنبياء والقدّيسين، والآن يجري لعاب الفساد من أفواهٍ لا تعرف الله إلّا في قسمٍ كاذب.

لقد أُطفئت شعلة الحقيقة بأيدي من ادّعوا الحرص عليها، وتحوّل لبنان إلى جثّةٍ ممدودةٍ على طاولة التاريخ.

من بقي فيه يعيش كلّ لحظةٍ من خيانة السلطة، وفشل المؤسّسات، وصمت الكنيسة عن الحقّ، حتّى باتت الأرزات، التي كانت تقف كجنودٍ صامتين، تجاورها اليوم وجوهٌ سياسيّة كجِيَفٍ متحلّلةٍ واقفة.

لقد تعبنا من الذين يضعون الصليب على صدورهم، ثمّ يطعنون الشعب بخناجر تشبههم.

أيّها الأب الأقدس، إنّ الذين يتحدّثون باسم الشعب باتوا يتحدّثون غالبًا باسم مصالحهم. تعبنا من الوعود التي لا تتجسّد عدلًا، ومن الصلوات التي تُرفع ولا تُثمر خلاصًا، ومن المؤتمرات التي تُعقَد ولا تلامس عمق الجرح.

لقد استُبدلت العدالة بالمحاباة، والحقّ بالغدر، والواجب بالخيانة، حتّى صار الشعب لا يطلب غفرانًا بل عقابًا، ولا يريد معجزةً بل كلمةَ حقٍّ تُقال في وجه كلّ من جرّ لبنان إلى الهاوية.

قداستكم، أمجاد لبنان لم يسرقها الزمن، إنّما سرقها أبناء الزمن الرديء.

نحن الأزمنة.

وليس سقوطنا بمشيئةٍ إلهيّة، بل خطيئةً كُتبت بالحبر الأسود على جدران الطرقات، وفي الدواوين والمجالس.

وإن كان الربّ قد قال يومًا: «أرفع يدي عن شعبي فأُباركه»، فكأنّه اليوم يقول للبنان: «أعيدوا لي وجهي، لأعيدَ لكم مجدكم».

لا نطلب أعجوبة، بل صوتَ نبيٍّ يعلو من كرسيّ بطرس، صوتًا يرفع الغطاء عن كلّ مسؤولٍ جعل لبنان ملعبًا للنهب والفساد والخيانة، صوتًا يقول إنّ لبنان لم يعد يحتمل مساوماتٍ ولا ارتهانات، وأنّ صمت العالم صار شريكًا في الجريمة.

فإذا لم تُقرَع الأجراس اليوم، لن يبقى أحدٌ تحت أرصفة الطريق ليقرعها غدًا.


المطران كارلوس بابي

النائب البطريركي لمؤسّسات البطريركيّة الخيريّة في العطشانة

المنشورات ذات الصلة