مع كل شتاء، يعود البرد ضيفاً ثقيلاً على البيوت اللبنانية، لكن هذا العام يبدو أكثر قسوة من أي وقت مضى.
الدفء يتحوّل إلى حلم بعيد المنال
الأزمة الإقتصادية جعلت الدفء نفسه حلماً بعيد المنال. وبين غلاء المحروقات وتآكل القدرة الشرائية، يجد آلاف اللبنانيين أنفسهم في مواجهة مباشرة مع برد لا يرحم، خصوصاً في القرى والمناطق الجبلية حيث الشتاء أطول وأشدّ قسوة.
المدفأة من ملاذ شتوي إلى عبء مالي
لم تعد المدفأة مجرّد رفاهية، بل تحوّلت إلى عبء مالي يرهق العائلات. أسعار المازوت الجنونية دفعت الكثيرين إلى البحث عن بدائل، فبات الحطب الخيار الأبرز، مستعيداً مشاهد من زمن مضى. لكن سرعان ما انقلب الحطب إلى عبء إضافي بعدما تجاوزت كلفته كلفة المحروقات، ما دفع اللبنانيين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم.
الحطب يعود بقوة: لكن بأسعار قاسية
تختلف أسعار الحطب بحسب النوع والمنطقة، لكن جميعها تشترك في الغلاء. ففي القرى الجبلية، يتراوح سعر طن الحطب الحرجـي أو الأرز البري بين 100 و120 دولاراً، فيما يصل سعر طن السنديان إلى أكثر من 200 دولار.
حتّى حطب الزيتون والليمون، الذي يُعتبر أقل جودة، بلغ سعره نحو 175 إلى 180 دولاراً للطن. هذه الأسعار دفعت الأسر إلى البحث عن خيارات أقل كلفة، رغم أنها أقل فاعلية وأحياناً أكثر خطورة.
خيارات التدفئة: حلول اضطرارية ومخاطر صامتة
وتعدّدت أساليب التدفئة داخل البيوت. فبعض العائلات لا يزال يعتمد على الحطب، مُعتبرةً إياه “الأدفأ والأقرب إلى الطبيعة”، رغم كلفته ومشقّته.
آخرون اضطروا إلى استخدام الغاز أو المازوت بكميات محدودة، أو اكتفوا بالأغطية الثقيلة لمواجهة البرد. وحتى التدفئة الكهربائية، التي شكّلت ملاذاً جزئياً في السنوات الماضية، خرجت من المعادلة بسبب الانقطاع المُستمرّ للكهرباء وارتفاع التكاليف.
قصص المواطنين تكشف حجم المُعاناة اليومية. بعضهم يحسب دقائق تشغيل المدفأة بدقّة خشية ارتفاع الفاتورة، وآخرون ينامون باكراً هرباً من البرد. بعض الأسر لجأت إلى حلول محفوفة بالمخاطر، مثل استخدام الفحم أو مواقد الغاز داخل المنزل، مدركةً خطورتها، لكنها لم تعد ترى بديلاً. المدفأة لم تعد مصدر راحة، بل مصدر قلق دائم.
مُبادرات بلدية محدودة في مواجهة أزمة أكبر
وسط هذا الواقع، حاولت بعض البلديات التخفيف من وطأة الأزمة، ولو بحدود ضيّقة. فقد وزّعت في بعض المناطق كميات محدودة من الحطب الناتج عن مُخالفات قطع الأشجار أو من تشحيل الأشجار على جوانب الطرقات، كما قدّمت كميّات صغيرة من المازوت للأسر الأكثر حاجة. بالتوازي، كثّفت الرقابة على الأحراج للحدّ من التعديات غير القانونية.
حين يتحوّل البرد إلى أزمة بيئية
لكن مُشكلة قطع الأشجار غير القانونية ما زالت قائمة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الحطب. لجأ المُخالفون إلى العمل ليلاً باستخدام أدوات صامتة، ونقل الحطب بوسائل بدائية لتفادي الرقابة، في مشهد يهدّد ما تبقّى من الثروة الحرجية. وتُشير مصادر إلى أن غالبية المُخالفين هم تجّار يسعون إلى الربح السريع، ما يفاقم الأزمة البيئية والاجتماعية معاً.
الشتاء في لبنان اليوم ليس مجرّد فصل برد، بل اختبار يومي لقدرة الناس على التحمّل وكشف قاسٍ لواقعهم. الدفء بات امتيازاً لا حقاً، والعيش الكريم تحوّل إلى تحدٍّ يومي في ظل أزمة مركّبة تجمع بين الاقتصاد والبيئة والخدمات الأساسية.
وفي خضمّ هذه المُعاناة، يبقى السؤال الأبرز:
هل سيبقى الدفء والكرامة في لبنان حلماً بعيد المنال، أم آن الأوان لوضع حدّ لمُعاناة المواطنين ومواجهة الأزمة بجدّية؟