خاص – "ايست نيوز"
اسرة التحرير
في 22 تشرين الثاني من كل عام، ينتظر اللبنانيون عرضهم العسكري التقليدي، الذي لطالما شكل لحظة رمزية تعكس وحدة الدولة ووجودها الفعلي على الأرض. لكن هذا العام، يغيب العرض العسكري، ومعه إحدى اللحظات التي كانت توحي، ولو للحظة، أن الدولة ما زالت حاضرة وقادرة على التنظيم وحماية سيادتها.
غياب هذا المشهد لا يمكن اعتباره مجرد إلغاء تقليد. إنه انعكاس مباشر لواقع الدولة اللبنانية: هشاشة مؤسساتية، تخبط إداري، وانقسام سياسي عميق.
الاستباحة الإسرائيلية واستمرار الاحتلال
لا يمكن الاحتفال بالسيادة الكاملة في ظل الاستباحة الإسرائيلية المستمرة للأجواء والمياه الإقليمية اللبنانية بشكل شبه يومي. كما أن الوجود الإسرائيلي في نقاط محتلة داخل الأراضي اللبنانية يظل تحديًا مباشرًا للسيادة الوطنية، مما يجعل مفهوم الاستقلال شعارًا نظريًا لا يترجم على أرض الواقع.
النفوذ الخارجي وتسييس القرار الوطني
يشهد لبنان تدخلاً متزايدًا من قوى خارجية متعددة. وبينما كان التركيز سابقًا على النفوذ الإيراني، أصبح اليوم القرار السياسي والاقتصادي خاضعًا لتأثيرات النفوذ الغربي، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من القوى الإقليمية والدولية. إن إرضاء الخارج أصبح أولوية للسلطة السياسية، وغالبًا ما يتم ذلك على حساب مصالح المواطنين، مما يضعف استقلالية القرار اللبناني.
تعدد السلطات وواقع "الدويلات"
يعيش لبنان حالة من تعدد السلطات الفعلية، حيث تتجاوز مراكز القوى الطائفية والسياسية سلطة الدولة المركزية، مما يخلق بيئة من "الدويلات" أو الكيانات الموازية. هذا الوضع يكرس حالة من الشلل المؤسساتي، ويعيق تطبيق القوانين بشكل موحد على كامل الأراضي اللبنانية.
ثانيًا: الانهيار المؤسساتي والانقسام السياسي
العجز الإداري وغياب الكفاءة
تعاني المؤسسات الرسمية من عجز مؤسساتي مزمن وتخبط إداري، وهو نتيجة مباشرة لسياسات المحاصصة والتوظيف على أسس طائفية وسياسية لا تعتمد على الكفاءة. هذا العجز يترجم إلى فشل في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
الانقسام العمودي وتغييب الأولويات الوطنية
يعرقل الانقسام العمودي بين المكونات السياسية والطائفية أي مسار إصلاحي. حيث تخدم هذه المكونات بشكل أساسي أجندات خاصة أو خارجية، مما يجعل الدولة عاجزة عن تبني أولويات وطنية حقيقية تصب في مصلحة المواطنين. وفي هذا السياق، تثير التساؤلات حول وجود وزراء أو مسؤولين يحملون جنسيات أميركية أو أخرى، ومدى تأثير ذلك على التزامهم المطلق بالقرار الوطني اللبناني.
ثالثًا: التعليم ومستقبل الأجيال
تهميش القطاع التعليمي وفقدان الثقة الحكومية
يكشف قطاع التعليم بشكل صارخ هشاشة الدولة. إن معضلة غياب وزيرة للتربية (في بعض الفترات أو التعبير عن عدم الرضا عن الأداء الحالي)، وغياب التركيز على تطوير المناهج وتأمين استقرار الدوام، يفاقم أزمة الجيل الجديد. إن تراجع دور الحكومة في حماية التعليم يؤدي إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على صون مستقبل الأجيال.
دعوة نحو استقلال فعلي ووحدة وطنية
في ظل هذه التحديات، يجب أن يتحول عيد الاستقلال من مجرد احتفال رمزي إلى دعوة نحو استقلال لبنان كامل وفعل. إن الاستقلال الحقيقي يتطلب:
- استعادة السيادة الكاملة: إنهاء كل أشكال الاستباحة والاحتلال الخارجي.
- بناء المؤسسات: إصلاح إداري يعتمد الكفاءة بدلاً من المحاصصة.
- تفعيل الوحدة الوطنية: تجاوز الانقسام العمودي والعمل على أساس أولويات وطنية جامعة.
- حماية التعليم: وضعه في صلب أولويات الدولة لضمان مستقبل مستدام.
عيد الاستقلال الحقيقي سيكون عندما يستعيد المواطن ثقته بالدولة ومعنى الوحدة الوطنية وتصبح البلاد كيانا يخدم مصالحه لا مسرحًا لتصفية المصالح الخارجية. وبالمختصر المفيد انها مناسبة لرفض ما هو قائم في انتظار ما يجب ان يكون عليه الوطن.